وكم أكنَّت من قيح ! وكم غلقت أبواب شغافها على بغضاء !
ومع كثرة ما تعلّلت به قريش من علل ، وتذرّعت به من ذرائع ، هي في حقيقتها قول مأفوك ، وزيف محبوك ، فإنّ موقفها الختّال « 1 » ما كان ليبدو في مرآة وقائع الحقّ إلَّا كمثل نسيج عنكبوت - كثف أو خفّ ، امتدّ وانسدل كسجاف « 2 » أو تخرّق وتمزّق كأسمال « 3 » - ينمّ شفيفه عمّا وراءه ولا يخفيه .
وهل كان يستر أصل المعدن الخسيس وجوهره ، أو يرفع قدره وقيمته أن يموّه بطلاء برّاق ؟
ما كان !
بل قد شهدوا أن تنفيرهم الناس عن محمد إنّما كان يزيدهم دنوّاً منه ، إقبالًا عليه ، بل كانوا يشعرون في قرارة نفوسهم أنّهم يأفكون ، وأنّ كلّ الذي يروّجونه إن هو إلَّاافتراء رخيص ، إن هو إلَّاخدعة الصبي عن اللبن ، إن هو إلَّاباب ، ظاهره الرحمة وباطنه العذاب !
« وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ »
« 4 »
.
* * * على قدر إصرار رؤوس الشرك الاستكبار ، وعلى التمادي في الغيّ ، وعلى العمل الدائب الجهيد لوأد الدعوة الإسلامية ، كانت كلمات اللَّه تتسرّب إلى القلوب ، كانت تنتشر ولا تنحسر .
القهر الفكري الذي جهدوا الجهد كلّه لفرضه على الوافدين عليهم من رجال القبائل ، بدا وكأنّه غِربال « 5 » واسع الخروق ! أو كشبكة صيادٍ انقطع من خيوطها خيط ،
هامش
( 1 ) . الختّال : الخدّاع .
( 2 ) . السِجاف والسَجيف : الستر والحجاب .
( 3 ) . الأسمال : جمع سَمِل ، وهو الثوب الخَلِق البالي .
( 4 ) . البروج : 20 .
( 5 ) . الغِربال : ما يُغربل به الحبوب ونحوها .