تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
ليتها اعتزلت الخلاف على الدعوة ، فقبعت ساكنة في داخل جلد هذه العزلة لا تنسلخ منه انسلاخ الثعابين ، ثم لا تدبّ الخفاء أو العلانية ، ولا تحرّك رأسها القتّال إلى يمين أو إلى شمال ، فإنّما السمّ في الناب ليس في الإهاب « 1 » ! لو أنّها فعلت ، إذاً لكان للرأي سلطان ، ولقارع العرب محمداً حجّةً بحجّة ، وبرهاناً ببرهان . . . ولعدلوا - أو الأكثرون - عن دربهم ، إذ تبيّن لهم أنّهم على ضلال ولساروا في ضياء اليقين على الجادّة السواء . لكنّ قريشاً ، عزّةً بالإثم آثرت الاستبداد ، سلكت القهر الفكري سبيلًا إلى بلوغها من النبي ما تريد . وكان لها من وضعها الاجتماعي بين القبائل ، ووزنها السياسي ، ومنزلها عند بيت اللَّه ، أقوى أسناد . إنّها لتأخذ بعنان سكّان شبه الجزيرة بين أصابعها ، فتقبضه أو ترخيه ، وترسله أو تلويه . . . تريد فتضرب على الأسماع ، وتحجّر على العقول ، وتذر رماد الشكوك في العيون . . . وتبغي فترسم لأذهانهم أُسلوب التفكير ، وتهوى فتشدّ على أفئدتهم أن تفقه ، وتضع على أطراف ألسنتهم الكلام ، ثم ترى رأيها في هذه الألسنة ، حبيسة اللجم ، أسيرة الأعنّة ، فتطلقها بحساب أو تجذبها بحساب . وكانت دعاواها التي أذاعت بها هنا وهناك ، في كلّ نادٍ ومحفلٍ ، وزمرةٍ وجمهورٍ ، هي أنّها إنّما تجنّب العرب سوء المنقلب ، وتحميهم وبال المآل ، وتباعد بينهم - بحكمتها البالغة وحسن تبصّرها بالأُمور ! - وبين تدمير نظام الجماعة ، وتضييع تراث الغابر ، والصبوء « 2 » - جهالةً وضلالةً ! - عن دين الآباء . أمّا نواياها التي أضمرتها في صدورها المقروحة حقداً وضغينةً ، فتسويرهم بسور من الصمم ، يمنع الآذان أن تُصغي للرسول ، وتعلم ما الإسلام .
هامش
( 1 ) . الإهاب : الجلد ما لم يُدبغ . ( 2 ) . الصُبوء : الخروج من دين إلى دين آخر .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 251 | شوقي محمد / عبد الفتاح عبد المقصود