مكان ومكان ، سلوكهم مفلوت العنان ، لا يُكبح له جماح ، خلقهم لا يفرّق بين المقبول والمرذول .
فلا قيم ولا مثل ، لا تأثمّ عن إثم ، لا رعاية لإلّ « 1 » .
كلّ حرام حلّ ، وكلّ متاع مباح .
ولم يكن شيء أوجع لفاطمة ، وأقطع في قلبها ، من رؤية سادة قومها يرمون أباها بكلّ دنيّة ونقيصة وعاب « 2 » يعلمون أنّه منها نقيّ بُراء ، وإن هي إلّاولائد عقول مأفوكة تخلّفت من سفاحٍ بين الضغينة والبهتان .
ولم يكن شيء أقدر على إثارة عجبها وغضبها من تنافس ذويّ قرابته الأدنين في النيل منه ، والاجتراء عليه كما لم ينل ولا اجترأ الغرباء البُعَداء .
فبقدر ما قربوا بقدر ما شنأوا ، وبقدر ما شنأوا بقدر ما أسرفوا في الإيذاء .
ولا دهش أكثر من دهشها لابن عمّه : أبي سفيان بن الحارث ، تربه ورفيق أيام صباه ، الذي كان أشبه به خلقةً ، وآنس صحبةً ، وأصدق مودّةً ، حتّى لحسب أنّه توأمه فإذا هو بعد تنزّل الرسالة كأنّه غيره جيء به من عالم مجهول !
لقد انقلب عليه أيّ منقلب ! تنكّر لصلة القرابة ، جحد حقّه ، أهدر إلف الرُفقة ، مضى في جوار إبليس يعينه على ابن عمه ، فيقذع له « 3 » ، ويقدح فيه وإن كان ليعلم في قرارة ضميره أنّ كلّ الذي يرميه به من عيبٍ كذب ومن طعن افتراء .
* * * ودع الرجل وما هو فيه من خسران يؤمّ المحافل ، ويرود الأندية ، ويجول في الأسواق ، يهجو محمداً بشعرٍ كريهٍ ، منكر الجرس كعواء مسعور ، خبيث الريح كقيء مخمور .
هامش
( 1 ) . الإلّ : القرابة والعهد .
( 2 ) . العاب : أي العيب .
( 3 ) . يقذع له : أساء القول فيه ، شتمه وسبّه بأفحش القول .