نظراتهم الساخرة ، وهو معفّر مغبرّ ، التراب على رأسه محثوّ ، يتساقط فوق محيّاه ولحيته ، وما من امرئٍ واحدٍ في قومه حاول - ولو بكلمةٍ - أن يردّ عنه هذا العبث المرذول ؟
أما لديهم وازعٌ من أنَفَةٍ وتحرّجٍ ، أو رادعٌ من غيرةٍ واستحياء ؟
وعصرت اللوعة قلوب الفتيات ، بكَيْنَ . . نشجن فما لبكائهنّ حسيس ، وكان القهر هو الذي يدرّ الدموع .
ثم تقدّمن إليه ينفضن عنه التراب ، والشؤون كالديم سواجم « 1 » تغسل الوجوه .
أمّا هو فقد استمسك ، فأشرقت على شفتيه بسمة عارضة كخطفة برق من وراء سحائب أساه ، وراح يخفّف عنهنّ برحاء ما أحسَسْنَ من همٍّ موجعٍ ، فيمسح بيده عن وجناتهنّ قطر العبرات ، وهو يقول بصوتٍ مترفّق رقيق ، لهذه فتلك فهاتيك :
« لا تبكييا بنّية ، فإنّ اللَّه مانع أباك » « 2 » .
فكأنّي به لم يذكر عمّه أبا طالب كما ذكره في هذه الآونة ، وفي مثيلاتها من آونات ، وكأنّي به يقول : ما نالت قريش منّي شيئاً أكرهه حتّى مات أبو طالب .
ويقول : يا عم ! ما أسرع ما وجدتُ فَقدك !
لكنّ اللَّه ما قلاه ، لسوف يمنعه وإن منعه لدانٍ قريب .
وعلى الرغم من أنّ الرسول ضاق من قريش بصلف الشقاق ، ولُدد « 3 » الخصومة ، واستدار عنها ميمّماً شطر أبناء القبائل الأُخر ، الوافدين على مكة من هنا وهناك ، فلقد أبى أُولئك « العِلية » الأوغاد من قومه ، الموغلون تجبّراً واستكباراً في الفساد والعناد ، إلَّامطاردته بهجر القول وسوء الفعال أنَّى اتّجه ، وأيّان حاول الاتّجاه .
فحمقهم حينذاك يشيع كالهباء في الهواء ، فلا يعرف فاصلًا بين آن وآن ، ولا
هامش
( 1 ) . الدَيَم : المطر النازل من دون رعد ولا برق ، وسَجَم : سال .
( 2 ) . راجع البداية والنهاية 3 : 176 في سبب هجر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله .
( 3 ) . لدد الخصومة : أشدّها .