غير أنّ كلّ ما أصابته به من صغار ، ما كان إلَّادرناً « 1 » لها ، لاصقاً بها ، ومحسوباً عليها ، وليس لاحقاً أثر منه يذيل برده ولا محسوباً عليه .
فالخبائث من الخُبثاء ، والدنايا من الأدنياء ، وكلّ إناء ينضح بما فيه !
أم حسبت تلكم العصبة من الطَّغام « 2 » أن يزعم أحد في العالمين - له مسكة من عقل - أنّها ملكت الصواب ، وأُوتيت الحكمة وفصل الخطاب ، وهي التي - وإن لم تلزم رويّة التفكير - لم ترع في نفسها على الأقل وقار المشيب ، بل نزعت إلى ما لا يحمد عليه طفل « 3 » لا يفقهون ، عبثهم المحبَّب تحثاء « 4 » التراب ، وقذف الطوب ؟
لكنّهم فعلوا ، وكان جدّاً - لا لعباً - ما فعلوه !
* * * فانظرهم ، وهم غرر « 5 » العرب ، كيف لا يعف بهم شيبهم ، وارتفاع السنّ ، وعلوّ الأقدار ، عن التهالك على إتيان ما يُعيَّر به الصغار الأغرار !
دخل محمد داره يوماً ، وهو كاسف أسيف ، فخفّت إليه الزهراء ومعها زينب وأم كلثوم ، لتريْن ما أهمّه وأذهب عنه بسمته الحانية التي لم يكن يبخل بها عنهنّ في لقاء ، لا في صباح ولا في مساء .
وهالهنّ أن شهدن ما كان عليه من حزنٍ غاضبٍ ، وقد نفر عِرفه في جبينه متحدّثاً بغيظه المكظوم .
أفهكذا قد نالوا منه ؟
فهل هان على الناس هذا الهوان حتّى ليمضي طريقه الطويل إلى بيته ، تقتحمه
هامش
( 1 ) . الدَرَن : الوسخ .
( 2 ) . الطغام : الأوغاد .
( 3 ) . الطفل : يكون واحداً وجمعاً ؛ لأنّه اسم جنس ، وهو الصغير من كلّ شيء .
( 4 ) . التحث : الرمي بالكفّين .
( 5 ) . الغرر : السادة .