وإذا كانت هذه هي بعض مبادئ الأخلاق الواجبة الاتّباع في ميادين النزاع المسلّح ، تكريماً للبشرية ، وارتفاعاً بها عن التدنّي إلى غرائز الحيوان ، فإنّ النزاع السلمي في ساحات النقاش والجدال أحرى بأن تكون له آداب تحقّق هذا التكريم .
وهي آداب لا تُعضل أحداً يعرف لآدميّته حقّها ، سواء أكان من الخاصّة والأشراف أم من العامة وعرض « 1 » الناس ، فيها حسن الإصغاء ، وعفّة الأُسلوب ، ومقابلة الرأي بالرأي ، وصون اللسان عن الهمز واللمز ، وعن العيب والسبّ ، والكفّ عن القهر الفكري ، واجتناب التنابز بالألقاب .
لكنّ قريش - على ما قيل من اشتهارها بالمروءة ، وامتثالها كرائم الشِيَم - نسيت هذا كلّه ، وأعجلت إليه بنقائض هذه الآداب ، تهجّمت عليه بالزراية والتحقير ، داهمته بكلّ دنيء وخسيس .
ولو أنّها وكّلت أمره إلى حفنةٍ من غلمتها الذين لم يبلغوا الحُلُم ، يسوّسهم النزق « 2 » ، ويسوقهم الطيش ، ما طوّعت لها الخفّة أن تنال منه ما هو شرّ وأخبث ممّا نالت منه هذه الجماعة المسوّدة « 3 » من الشيب والأشياخ التي تُسلَك في صفوة ذوي الرأي والسداد ، ونخبة الأشراف الأمجاد !
وإذا كانت نفوس تلكم الزمرة قد راودتها مراراً على اغتياله ، ثم كفّت أيديها عنه إلى الأبد ، فأنّما أمساكها مرجأ « 4 » إلى حين تستكمل خطّتها في الزراية به ، وتهوين قدره على أصحابه ، واقتلاع ما له من مهابة في قلوبهم وإجلال ، حتّى يصغر شأنه ، وينبو به الناس ، فذهب دمه عندئذٍ كقطرة طلٍّ حفّفتها الحَرور ، فلا واتر إذاً ولا موتور !
فما أشدّ ما فضعت به ، وشنّعت عليه ! وما أكثر مابشّعته في الحلوق والعيون !
هامش
( 1 ) . عُرض الناس : عامّتهم .
( 2 ) . النَزَق : الخفّة والطيش .
( 3 ) . المسوّدة : الذين لهم السيادة .
( 4 ) . أرجأ الشيء : أخّره إلى حين .