ثم انظر إلى الحارث بن كلدة طبيب العرب : زوج خالته ، كيف وقف منه يوم ثقيف وقفة لئيمٍ خسيس .
فلا آواه وقراه وهو يعرف أنّه ضيف غريب الدار ، ولا أجاره إذ تلمّس المجير ، وإنّ أمنه لرهين بكلمةٍ واحدةٍ من شفتي الطبيب فيتحقّق الجوار .
ولا منعه من أذى الأوغاد والعبيد من قومه ، الذين غالوا في السفه حتّى اتّخذوا النازح الغريب المستجير كمثل كرةٍ تتلعّب بها الصوالج ، أو تتقاذفها الأقدام .
* * * ثم انظر إلى الأسود بن عبد يغوث : ابن خاله .
وإلى حكيم بن حزام : ابن أخي زوجته خديجة .
وإلى عبداللَّه بن أُمية المخزومي : ابن عمّته عاتكة .
وقبل أولئك جميعاً وهؤلاء ، انظر إلى عقبة بن أبي معيط : زوج أروَى ابنة أُم حيكم البيضاء عمّته ، وتوأم أبيه عبداللَّه .
فهذا العتلّ الغليظ كان أقسى ذوي القرابة والصهر والنسب ، وأثقلهم وطأةً عليه ، إنّه أسرعهم بالفعل والقول والإشارة إلى إيذاء الرسول ، وأجهرهم له بالإساءة ، غير مقصدٍ ولا متلوّم .
فربّما لقيه في طريق فرماه بزورٍ من الكلام وسقطٍ قد يعفّ عنه اللئام ! أو رضخه بالحجارة كفعل غلمة أدنياء أغرار ، أو بصق صوبه أو عليه ، مغالاةً في إظهار استهانته به ، وتحقيره إيّاه !
وهو أحدُّ المشركين وأطولهم لساناً في الإغراء به ، والكيد له ، حتّى لقد ناصر أبا جهل فقلّبا أبا لهبٍ عليه بعد أن رقّ له وعاهده المنعة ، وكفّ أذى عدوّه عنه .
ولقد علمت فاطمة أنّه نطق يوماً بكلمة الإسلام عن حميّةٍ ونخوةٍ ، فلمّا ظنّ بعض صحبه أنّه ارتدّ عن دين آبائه ، وعيّروه الصبوء ، عتا بمحمدٍ عتوّاً كبيراً ، فداس عنقه وهو ساجد بين يدي ربّه ، وبصق في وجهه ، لينفي عن نفسه هذه الظنّة ، ويؤكّد
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 244
مساهمون: شوقي محمد
ص٢٤٤