كبريائه بين الناس ، لتمدّ لنفسها في المفاخرة والمباهاة ، وتكون لها وحدها الكبرياء من دون الناس .
ولم يكن عسيراً على قريش تنفيذ هذه السياسة في تلكم المضامير .
فأهل مكّة أمرهم عليها هيّن ، وقيادهم سهل كالمطايا الذلول ، لأنّهم له تبع وأشياع ، تورد فيوردون ، وتصدر فيصدرون ، بل هم لها سهام القسيّ ، ونصال الرماح .
والضاربون حول البلدة المقدّسة ، في الحضر والبوادي ، ما لها من حاجة لانتجاعهم حيث يقيمون لإثارتهم وتأليبهم ، لأنّهم لا يكفّون عن ارتياد مقامها لزيارة البيت المعمور في المواسم ، أو لقاءً على البيع والشراء .
أمّا الفئة المسلمة فهم المضمار الأوعر « 1 » وإن كان لا مناص لها من اقتحامه ، لإنّه الأولى بالصيال فيه .
ولقد حانت الساعة الآن .
فليس وقتٌ أنسب من هذا الوقت للنفوذ إلى محمد من خلالهم ، وإطفاء نور مهابته في قلوبهم ، بضربة بالهانة والتصفير ، إذ أصابه ما أصابه بعد أن رحلت عنه زوجه : شادَّةُ أزره في البأساء والضراء ، وعمّه : حاميه الذي لم يكن له في الحمى نظير .
فضياع المهابة هبوط ، والهبوط مهوىً وتدهور .
وعندما تنزلق القدم على شفرة حفرة ، فلا ممسك لها من التدهور سوى القاع ! وإذا المرء هان على مناصريه ومريديه ، فهو إذاً أهون على مناوئيه ومبغضيه .
ولقد رأى أعداء محمد ، بعد فجيعته في عزيزَيْه ، وشماتة قريش به ، أنّه في حالةٍ معنويةٍ رثيثةٍ ، كثَوْبٍ نهشه البلى ، وغالته الخروق إلَّاالقليل ، فهو كاسف البال حتّى الجمود ، بيّن الحزن حتّى الجزع ، موصول الألم حتّى الانهيار .
كذلك خالوه !
هامش
( 1 ) . الأوعر : أي الأكثر وعورة .