اللوحة الخامسة : لا تبكي يا بنيّة
كما لم ينفتح من قبل أمام قريش الطريق واسعاً ، بغير حواجز ولا حوائل ، لإيذاء أهل الإسلام بمكة ، انفتح أمامها بعد ذهاب خديجة زوج الرسول ، ومضيّ أبي طالب شيخ بني هاشم ، في رحلتهما الدنيوية الأخيرة بعيداً عن هذا العالم .
فلقد بغت قريش وطغت أشدّ بغيّ وطغيان ، غلت في النكال إلى أقصى الغلواء ، سلكت بإيذاء حزب اللَّه سلوكاً إنْ لم يكن هو الجنون فهو أعتى شططاً من الجنون ، فإذا هي تنقلب عليهم بكلّ ألوان الشرور والاضرار ، متراوحة بهم بين ضروبٍ من العذاب ، لا تعرف معنى الرحمة ، ولا تنعطف إلى صلات الأرحام .
فهي تشاء ، فتلهب جلود طائفةٍ بالسياط ، أو تحرق بعضاً بالنار ، أو تلقي نفراً على الرمضاء ، في لظى الهجير « 1 » ، وفوقهم من الصخور الصلاب أحمال وأثقال ، أو تشدّ الوثاق بالسلاسل ، وتكبّل الأعناق بالأغلال .
وتلك أساليب في التعذيب انتهجتها من بدء الدعوة ، همُّها أن تنال بها من عدوّها عسى أن تعيدهم في ملّتها ، وتفتنهم عن دين اللَّه ، كما ودّ حكّام الروم من بضع مئاتٍ من السنين أن يعيدوا في ملّتهم أُولئك الفتية أصحاب الكهف والرقيم .
هامش
( 1 ) . اللظى : اللهيب ، والهجير : وقت أشدّ الحرّ .