فهل نسيت قريش - على كثرة ما أسلفت إليهم من الأذى - أنّهم صبروا ، وكانوا خير مختبرٍ لليقين ؟ أم غاب عنها أنّهم ظلّوا أوتاد إيمان ؟
لكنّها الآن لا تكفّ تعاود التهجّم عليهم بمثل شراهة صدٍ « 1 » منهوم ، مخبول الظمأ ، وحشيّ الجوع ، قد سلخت عنه رهف الضمير ، وسلامة التفكير ، وإنسانية الشعور ، شهوة مجنونة للشراب والطعام .
فإذا القسوة وحدها هي الخمر التي تروي غليله ، ثم تدير رأسه بسورة النشوة ، وإذا النكال هو وحده المأكل الذي يمسك عليه رمقه ، ثم يتخم فيه ما أفرغت سورة الخبال !
* * * غير أنّ هذا الذي أتته من إدٍّ « 2 » لم يكن ليقضي له وَطَرها « 3 » الذي تريد .
فدونها ودون أولئك القلّة المسلمين ، الخارجين على نظام شريعتها الوثنية ، محمد بن عبداللَّه الذي عجمته « 4 » سنين عدداً ، فوجدته لا ينكص ولا يهادن ، ولا يلين له عود ، فهو ثابت ثبوت طود ، وهو صلب في الحقّ كالماس يقطع الحديد ولا يخدشه الحديد ، وهو محاجز بينها وبين أتباعه كالسدّ .
وما دام ثابتاً أمامها هكذا ثباته في صلاته ، قائماً قيامه في شموخ ، فما لها إلى نقض دعوته ، وفضّ أصحابه عنه من سبيل .
ونفضت قريش جعبة عدوانها ، فإذا هي تقع فيها على سلاح آخر خبيث ، إن تكن قد استخدمته من قبل بعض استخدام ، فإنّها لم تحسن الصول به كما ينبغي أن يكون الصيال ، ولم تمل له في القطّ والقدّ ليفعل فعله ، ويثمر أثره الباتّ إذ كانت تراه إلى
هامش
( 1 ) . الصدى : العطش ، فهو صدٍ وصادٍ وصَديان .
( 2 ) . الإدّ والإدّة : الأمر الفظيع .
( 3 ) . الوَطَر : الحاجة .
( 4 ) . أعجم الشيء : إذا امتحنه واختبره .