يومها هذا كأنّه النافلة بين عدّة القتال .
فليست القوة المادّية وحدها بكافية للخلاص منه ومن الذين اتّبعوه ، وليس التهجّم بالعنف هو القادر دون غيره من الوسائل على حسم الأمر .
ذلك لأنّ القوة دفع خليق بأن تقابله مقاومة أو دفع مضارّ ، ولأنّ العنف الذي تحمل به عليه ، حقيق بأن يغريه بالتصلّب ، ويدفعه إلى الأمعان في العناد .
فالبطش قد يؤذي البدن ، ولكنّه لا يقضي على الرأي ، بل لعلّه ينميه . . . والقهر لا يدحر الفكر ، بل الأفكار هي التي تدحر الأفكار .
فدفع قريش إذاً مردود ، وعنفها أيضاً مردود .
ولئن قيل في المثل : لا يفلّ الحديد إلَّاالحديد ، فهناك في جانب قريش حديد ، وهنا في جانب أصحاب محمد حديد ليس من جوهر ذلك المعدن الأرضي ، بل من صهير نفوس أذهبت خبثها حرارة الإيمان ، ثم قسّتها « 1 » كما يُقسَّى الفولاذ !
ومهما استطال الوقت بالفريقين ، فالجلاد بينهما لا محالة باقٍ زمناً أحرى بأن يمتدّ إلى أمدٍ غير معلوم ، قد تتغيّر خلاله الظروف فينقلب الميزان .
فأيّ مضمارٍ حتم على قريش - لتحرز نصرها الحاسم - منازلة محمد فيه ؟
* * * بل أنّها لمضامير !
فعقول من حول أُم القرى من القبائل مضمار ، وعيون المكّيين مضمار ، وقلوب أصحاب النبي مضمار .
ومن سبر غور نفوس سادة قريش ، وعرف لها ولعها بالتعالي على غيرها من أقوام ، وإلى أيّ حدٍّ يشغفها التيه ، وتستخفّه الخيلاء ، تيسّر له أن يدرك أنّ سلاحها الذي شحذته لمعركتها القادمة ، هو تهوين شأن من يناوئها ، وتحطيم عزّته ، وإذلال
هامش
( 1 ) . قسّى وأقسى الشيء : إذا صيّره قاسياً .