الدهر ، فأبدلك اللَّه خيراً منها ! ! « 1 »
فليتها راضت هواها ، فصبرت على ما تكره إن كان في ذلك الذكر مكره ! ليتها حبست في حلقها ألفاظها هذه الشوارد الحرون ! « 2 » إذاً لكان خيراً لها السكوت .
أم تنكر عليه كلمة طيّبة يرطب بها مرقد سيدة النساء ؟ أم تنقم منه الوفاء ؟
ما نحسب إلَّاأنّها أوجعته ، بل آذته أقسى إيذاء ، بل شقّت قلبه بجرحٍ عميقٍ ، هو الذي كان يحرص دائماً على أن يتلقّاها بالترفّق ، ويمحّضها التدليل .
ولولا حلم أُوتيه ، لا يبخل بالصفح ، ويتّسع لإساءات البشر أجمعين ، لبادرها بغضبٍ حميزٍ « 3 » ، كغضب ليثٍ جريح ، لكنّه زجرها زجراً ، إن تكن فيه مرارة اللوم والعتاب ففيه حسن التأديب والتهذيب .
أجاب : « واللَّه ما أبدلني اللَّه خيراً منها ، آمنت بي حين كفر الناس ، وصدّقتني إذ كذّبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني منها اللَّه الولد ، دون غيرها من الناس » .
ما كان أغنى عائشة عن هذا الموقف !
أصابها الحسر ، بهتت . . . ندمت ، ولات حين ندامة !
وهل من سبيل تستعيد به إلى الحلقوم ما فرط منها من كلام ؟
وكان أشدّ ما حزّ فيها وآلمها من حديث الهول ، هو ما أبطنته الجملة الأخيرة . . .
لَكَم وخزتها ! كم أدمت كبرياءها الأنثوية إذ شبّهتها - إيماءً وتكنيةً - بشجرةٍ من الأشجار الزينة ، تنمو وتغصن وتفرع وتورق وتروق العين ، ولكنّها عقيم لا تطلع ثمراً ، بينما شبّهت ضرّتها بشجرةٍ طيّبة الجنى والثمار !
لكنّه لم يقل إلَّاحقّاً .
هامش
( 1 ) . أخرجه مسلم 4 : 1889 كتاب فضائل الصحابة ب 12 فضائل خديجة أم المؤمنين ح 78 ، وحمراء الشدقين : تريد عجوز كبيرة جداً بحيث سقطت كل أسنانها ولم تبق سوى اللثّة الحمراء .
( 2 ) . الشوارد : جمع شاردة ، وهي البعير الذي ينفر . والحرون : الذي لا ينقاد .
( 3 ) . الحميز : الشديد .