ومرّة قالت : ما غرت من امرأةٍ لرسول اللَّه ما غرت من خديجة ، لما كنت أسمع ذكرها ! « 1 »
ومرّة قالت : كأن لم يكن في الدنيا سوى خديجة ! « 2 »
فلعلّ بهاء حسنها ، وفورة صباها ، وسبقها في قلب محمد على بقية نسائه ، كانت تدفعها إلى ذلك الشعور الجامح الذي أملت لها فيه العزيزة .
فشتّان بين الشباب الريّق المستفزّ والكهولة الجافّة المهيضة « 3 » .
ومن ثم فلم تكن تستطيع إلَّاأن تزهى بما تلك من مزايا أُنثوية على تلك الراقدة في ثرى الحَجُون « 4 » ، ولا تملك عندئذٍ أشباهاً وقرائن ، ولا أن تروّض فكرها على نسيان أنّها ضرّة ، ولا أن تغفر لها أن شاركتها الزوج ، ولا أن تقنع نفسها بأنّها لم تعش قطّ مع السيدة الأُولى هذه المشاركة - وما كانت لتحياها - وهي بعد طفلة في سنيّ الرضاع ، أو وهي حمل مكنون في بطن « أُم رومان » .
لكنّها الغيرة !
ولكنّها غريزة الأُنثى تجمح بها ، مغمضة اللبّ والذهن والعين . . . حتّى تلهب بلسانها خديجة ، وتخوض فيها ، بغير تحرّز ، وإنّها لبقايا رمام « 5 » ، وفتات عظام !
سمعت ذات يومٍ رسول اللَّه يذكر أُم الزهراء - كمألوف عهده - فأثارها منه هذا الذكر ، تغيّر لونها ، وتقبّضت أساريرها ، حتّى انقلب محيّاها المنبسط إلى عقدة من العبوس ، وغامت عيناها بجهام غضبٍ شديدٍ ، ثم انطلق صوتها حادّاً جارحاً ، كسنّ قناة .
قالت بجفاء : ما تذكر من عجوز من عجائز قريش ، حمراء الشَدْقَين ، هلكت في
هامش
( 1 ) . أخرجه مسلم 4 : 1888 - 1889 كتاب فضائل الصحابة ب 12 فضائل خديجة أم المؤمنين ح 74 - 76 .
( 2 ) . أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 186 كتاب معرفة الصحابة .
( 3 ) . المهيضة : المكسورة بعد الجبر .
( 4 ) . الحَجون : مقبرة على جبل بمكة .
( 5 ) . الرمام : العظام البالية .