إذ تجري أسفاً أن قد حانت ساعة الوداع ، وأوشك أن تنفصل عنه هذه القطعة الجليلة من حياته ، الأثيرة عليه ، والأحبّ إليه من كلّ ما في العالم من خلائق وموجودات .
وإنّه القول إذ ينطلق به قلبه قبل أن ينطلق به لسانه ، فتحسّه دعاءً إلى اللَّه لها بالرضوان ، أو تلاوةً من آيات القرآن ، تثبيتاً لها وإن كان قلبها من إيمانها لفي قرارٍ مكين .
وإنّه النجوى يخافتها بها تسريةً ودعابةً ، فإذا وجهها يشرق ، وإذا البسمة على ثغرها ترفّ كومضة نور .
وربّما شاء مرةً أن يرفّه عنها ، فنأى بذهنها عمّا يشغله من قلق البال ، وبنفسها عمّا تكابد من استغراق في هموم الفراق ، فمازحها بأن قال : « يا خديجة ، أتكرهين ما أرى منك وقد يجعل اللَّه في الكره خيراً ؟ . . . أشعرت أنّ اللَّه أعلمني أنّه سيزوجني ؟ » « 1 » .
فهل طاف بوجهها أثرٌ للغيرة التي تعصف - في مثل هذا المقام - بقلوب غيرها من النساء ؟
لا ! بل قالت بكلّ الرضا والمودّة والإيثار : بالرفاء والبنين .
ولقد وقفت عائشة من بعد ، موقفاً كهذا الموقف ، فكيف كان سلوكها إذ يقارن بهذا السلوك ؟ وهل تباين أم تطابق السلوكان ؟
كان ذلك والرسول في مرضه الأخير إذا أحسّت عائشة صداعاً ، فشكت :
وا رأساه !
فلمّا كرّرت الشكاة قال لها الرسول يداعبها : « وما ضرّك لو متّ قبلي فقمت عليك ، وكفّنتك ، وصلّيت عليك ، ودفنتك ؟ » « 2 » .
هامش
( 1 ) . أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 186 كتاب معرفة الصحابة .
( 2 ) . أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 3 : 396 كتاب الجنائز باب : الرجل يغسل امرأته إذا ماتت .