ترهّف وشفّ كأنّها شعاع .
وبصرت بنفسها وبأُختيها : زينب وأُم كلثوم ، قد التفَفْنَ بالمضجع حلقةً ، كأنّما ليكنّ وفاءً وفداءً لهذه الراقدة العزيزة فيدرأْنَ عنها سطوة المنون « 1 » ، ورأت أباها يلزم جوار زوجه الفُضلى لزوم ولهٍ « 2 » ومودّة ، فيهمهم « 3 » بين اللحظة واللحظة بكلامٍ لم تكن تدري إبَّانه - لانشغالها بكربها العظيم - أهو مسارّة ومناجاة أم هو هينمة « 4 » ودعاء إلى اللَّه ربّ الموت والحياة .
ثلاث ليالٍ وثلاثة أيامٍ مضت ومحمد حينئذٍ لا يبرح الدار ، ثم لا يميل عن ذلك الجوار .
فإن تكن الزهراء التقطت خلال تلك الآونة ، مرأىً أو صوتاً ، من لدن الأُم ، فإنّه القلق الذي يترقرق في عينيها كالدموع ، أن أزف « 5 » أوان رحيلها عن زوجها الحبيب ، وهو أشدّ ما يكون حاجة إلى وقوفها معه ، تسند ظهره ، وتثبت خطاه في وجه أبالسة الشرك ، حصب الجحيم .
وإنَّه اللهفة التي تغشى محيّاها وهي تنقّل بصرها على وجوه فتياتها الثلاث مراراً مراراً ، كأنّما تتفحّصهنّ ، وتبحث بينهنّ عن تلك الرابعة ، الغائبة عنها من بضع سنين وراء البحر بأرض الحبشة ، فيرتدّ إليها بصرها وهو حسير . . . وإنّه اضطراب شفتيها ممّا هو أدنى إلى الأنين ، إذ ترتعشان بكلامٍ ما هو بمسموع ، ولا له في العالمين سميع ، تعبيراً صامتاً عن لواعج « 6 » بينها عن الأحبّة ، وانقطاع لقائها بهم إلَّافي علّيين .
أو تكن الزهراء التقطت من لدن أبيها ، مرأىً أو صوتاً ، فإنّه الدموع على وجنتيه
هامش
( 1 ) . السطوة : البطش بالقهر ، والمنون : جمع منيّة ، وهي الموت .
( 2 ) . الولَه : الحبّ الشديد .
( 3 ) . الهمهمة : ترديد الصوت .
( 4 ) . الهينمة : الصوت الخفيّ .
( 5 ) . أزف : دنا .
( 6 ) . اللواعج : خلج الصدر المحرق .