بأيّتهما هو أشدّ شجناً وألماً ، وأيّتهما هي عليه أثقل وأفدح .
لا غرو ، بل لا يعسر أن يقال : ربّما أحسّت الزهراء أنّ ثمّة أيضاً في وسط الشمعة ذبالة « 1 » ثالثة أخرى ، تزيدها احتراقاً على احتراق ، وتضيف إلى قدرتها على الانصهار قدرةً تعدو بها ، وتقفز قفزاً إلى مشارف النهاية .
أَوَ ما كانت تدرك أنّ أباها قد أصبح - من همّيه هذين - كمن لا يطعم غير الحنظل ، ولا يشرب غير الصاب ، ولا يتنفّس ملء رئتيه غير لفح اللهيب ؟
أَوَ ما كانت ترى كيف تضاعفت عليه آلامه ، وتحالفت عوادي أيامه ، بعد أن غاض « 2 » من واحة حياته ينبوع الحبّ والحنان ، وتقلّصت الأفياء « 3 » والظلال ؟
بل إنّ هذا لمحتوم ، وليس بموهوم ، فالثرى غيَّب عنه قرينة نفسه ، رفيقة أُنسه ، شريكة فرحه وشجنه ، ملاذ سرّه وعلنه ، المملية له - حين اليأس - في الرجاء أحلى الرجاء ، الفادية له - حين اليأس - بالفداء أغلى الفداء .
أو ما كانت الزهراء تدري كيف هان أبوها على رؤوس الشرك من سادة قومه ، بعد أن مات أبو طالب ، وعدم موته الظهير والنصير ، فإذا قريش كلّها عليه إلْب « 4 » ، تكيد له كيد حسد ، وتغري به إغراء حقد ، حتّى صار مطمعاً سهلًا لسفاهة الحمقى الأرذال ، ومرتعاً مستباحاً لسفالة الطُعّام الجُهّال ، كأنّه مُتنفس سهامٍ يتبارى في التسديد إليه وإصابته رمي الرُماة ؟
بلى ! قد كانت .
بلطف الحسّ كانت تدرك ، وبرفّ العين كانت ترى ، وبرهف السمع كانت تدري هذا وغيره ألمَّ بأبيها ، ثم لا تكاد تحاجز دونه إلَّابصمت المحسور .
* * *
هامش
( 1 ) . الذبالة : الفتيلة .
( 2 ) . غاض : قلّ ونقص .
( 3 ) . الأفياء : جمع فيء .
( 4 ) . الإلب : العداوة .