غير أنّها بين اللحظة واللحظة ، كانت لا تملك إلَّاالدوران ببصرها مع الجدران ، عسى أن تحدّثها بحصيلة السنين .
ولم يكن ما تهفو إليه حديث شفاه ، إنّما حديث ذكريات ، والذكريات خيالات .
لا هي عبارات ولا كلمات تنتقل على أوتار الصوت إلى الأعصاب السمعية ، سواء أأفصحت وأبانت ، أم أبهمت وغمضت ، أم اضطربت في سياقها مواقع المقاطع من المقاطع ، واختلطت صلات الحروف بالحروف ، بل هي صور كأنّما رسمت بريشة الضباب مشاهد لشخوص وأشياء ، تؤوب من أمس الزمن قبل أن تلتقمها كهوف النسيان ، تنبعث مثل انبعاث الموتى من القبور يوم النشور وهم في الأكفان ، تترى على لوحةٍ لا مرئية ، فلا يراها الرائي بلمح البصر ، وإنّما يلقفها بأعينٍ لا مرئية
وكانت فاطمة دائماً تحرص على أن تلتقط من هذه المرائي ما تحبّ ، حرصها على التقاط درر من مرعىً كثيف الأعشاب ، فلها إليها شوق وحنين ، ولها فيها سلوىً وتسرية ، وإذا كان حزنها يتجدّد مع كلّ مشهد ، فلاستعادة الحزن متعة لا يعرفها إلَّامن فجع في حبيب .
ألا تختلس من عمرها لحظات ، تعيش فيها مع الغالية الحبيبة ، العائدة إليها على ومض الذكرى من مقرّها البعيد ؟
* * * وهيّأت نفسها للحظة الإيّاب .
إنّ كيانها ليتفتّت حسرات ، الدم في عروقها دموع ، خلجات الخاطر أنين ، قلبها ينتفض كطائر جريح ، بين سحرها ونحرها أنفاسها تتردّد كحشرجة ذبيح .
وعندما خالت أنّ الموت بدأ يحلّق في جوّ الغرفة ، وقعت عينها اللامرئية على أُمها في فراشها مسجاة « 1 » ، وهي من فرط ما دقّ جسدها ورقّ كطيف ، ومن فرط ما
هامش
( 1 ) . مسجاة : ممدَّدة .