العزاز ، وبمنزل الذكريات الذي عاشت فيه وزوجها الكريم أحلى أيام العمر ، وخاضت وإيّاه أعظم معارك الكفاح ؟
فها هي فاطمة ، ما كادت تتنسّم بعض عبير الحرّية ، حتّى فقدت أجلّ ما لأيّ إنسان في هذه الحياة ، فقدت الأم التي ليس كمثلها أُمّ في الأمّهات ، على اختلاف الأصول وتغاير الأرومات ، غدت الدار التي كانت منبع أفياض الحبّ ، ومرتع المنى العذبة ، ومصدر إشعاع دفء الحنان ، وهي توشك أن تضيق عليها ضيق القبر الذي ضمّ في ترابه جثمان الحبيبة .
ها هي فاطمة توشك أن تتبدّى لرائيها شمعة أوقدت من طرفيها ، فسرحت عليها نيران الأسى اللاهبة من هنا ومن هناك ، كأنَّما لتعجل بها إلى الذوبان .
إنّها هنا في البيت ، تحنكها « 1 » لوعة الفراق على أُمها الغالية ، حاضنة الإسلام ، وإنّها هناك من البلدة ، على الدروب ، وفي الأندية ، وحول الحرم وبين الأحلام تهبّ نسمات حارّة ، إن يكن رطبها رذاذ دموعها فهي تحسّها - من فرط الحرقة - كأنّما تكاد تشوي الوجوه .
وحقّ لها هذا الشعور .
فلقد رحل أيضاً عن دنيا الأرض شيخ بني هاشم : أبو طالب ، حامي الإسلام ، والمناضل عن الرسول ، ولم تكن بين خروجه من الشعب وبين موته مهلة تكفي لتمام دورة الضلال ، ولا بين رحيله ورحيل خديجة إلَّاثلاثة أيام .
ولم يكن وَجْد « 2 » أشدّ وقعاً على كلّ نفسٍ زكيّةٍ ، وقلبٍ سليمٍ ، من ذينك الخطبين الفادحين . . . حتّى لقد عُرف العام ، طوال الزمن ، على الشفاه وفي الأخلاد ، بأنّه « عام الحزن » .
وحتّى لقد ذكر أنّ رسول اللَّه قال : إنّه اجتمعت عليه بهما مصيبتان ، لا يدري
هامش
( 1 ) . تحنكها : تستولي عليها .
( 2 ) . الوَجْد : الحزن الشديد .