بالآلام ، أثقل بالهموم ، أفدح حمْلًا من أبي قبيس وثبير « 1 » ، أدعى لاستفاضة الأشجان ، لتجدنّها ، إذ استروحت منها نسمة ، مخضّلة « 2 » بالدموع .
وهل من مراء ؟
فالأشياء - كالأناسي - لها بسمات ولها شؤون ، تفرح وتحزن ، تضحك وتبكي وإن لم نُحَط بما علّمها ربّها من لغتي الضحك والبكاء .
فكم أطاع قوم اللَّه ، فتهلّل فرحاً لطاعتهم الوجود ! وكم عصى غيرهم وكفروا بأنعم اللَّه ، فأعجلهم بعذاب مهين
« فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ »
« 3 »
.
موت خديجة وأبي طالب
ولقد قاست الزهراء في تلك الآونة أشدّ مقاساة ، فلم تخطف على محيّاها عندئذٍ شعاعة ابتسام ، ولا رأت عيناها شيئاً قطّ إلَّاشاركهما الرؤية البكاءُ ، ولا مرّ بسمعها سوى أنين المعذّبين .
وأنّى لها البسمة المضيئة ، والنظرة المجلوّة ، والنبرة « 4 » الحلوة ، وإنّها لفي شجن لبِّس بأكدار وغموم ، وليس كمثله بين الأشجان .
فلقد مضت خديجة ، أكلت منها محنة الشِّعب كلّ ما أبقته الأيام ، ذهبت إلى ربّها راضية مرضية ، تركت الدنيا إلى غير مآب « 5 » .
أفتمهّل بها الأَجَل قليلًا حتّى تخرج من ضيق الحصر والقطيعة ، ومفازة الأسر والعذاب ؟ أفقُضي لها ألّا تموت في مرابض الجوع ، ومسارح الفقر واليباب ؟ أفشيء أن تطبق جفنيها ، وهي على فراشها في بليّتها بجوار الحرم ، فتملأ عينيها بالأحبّة
هامش
( 1 ) . أبو قبيس وثبير : جبلان قرب مكة .
( 2 ) . مخضّلة : مبتلّة .
( 3 ) . الدخان : 29 .
( 4 ) . النبرة : الصوت .
( 5 ) . المآب : الرجعة ، العودة .