إن تكن مفروشة بالعوسج « 1 » فهي أيضاً ممهودة ، أو يكتنفها الخطر فهي ألين مواطئ وأكثر تعبيداً ، أو تحفّها المصارع فهي أوسع مدارج ، وأرحب فجاجاً ، وأفسح حدوداً .
وبقدر ما كانت الأرضة تعبث في صحيفة القطيعة ، طوال سنين ثلاث على ونىً وهون ، لتميط « 2 » للعالم اللثام عن سرّها الذي خالف المنتظر وحيّر الأفهام ، بقدر ما راحت الوقائع بعد انكشاف السرّ تعبث بتعاقب الليل والنهار عبث إعصار أخرق « 3 » ، يطيح بكلّ ما يعترض سبيله من معالم الحياة .
فكما تذرو الأعاصير « 4 » القشّ ، تقتلع الإنسان من قدميه اقتلاعها الشجر والنخيل من الجذور ، وكما تطير بالهشيم ، وأعواد الحطب ، وكثبان الرمل ، تطير بالدور والرجام « 5 » الثقال ، بل هي تحِتّ « 6 » تربة الأرض وصخر الجبال .
إنّها لا تدع قائماً إلَّامال ، ولا مائلًا إلَّارقد ، ولا راقداً إلَّاتبدّد لولا علائم دارسة كبقايا الوشم « 7 » على ظاهر اليد ، أو كأثر القدم فوق صفوان « 8 » صلد عليه قسمة من غبار .
هكذا كانت الأحداث تهطع « 9 » على رقعة الوقت ؛ كالعاديات « 10 » ، نبضها « 11 » سريع ،
هامش
( 1 ) . العَوْسَج : نوع من الشجيرات شائكة الأغصان ، مفرده : عَوْسَجَة .
( 2 ) . تميط : تكشف ، تزيل .
( 3 ) . الخَرَق : ضدّ الرفق .
( 4 ) . تذرو الريح التراب : إذا سفته ونثرته . والأعاصير : جمع إعصار ، وهو ريح شديدة تثير الغبار فيرتفع إلىالسماء كأنّه عمود .
( 5 ) . الرِجام : الحجارة الكبيرة .
( 6 ) . الحتّ : الفرك والحكّ والتقشير .
( 7 ) . الوَشَم : ما ينقش على الجسم من نقوش ، وذلك إذا غرزها بإبرة ثم ذرّ عليها النِئور أو النِيلج ، وجمعه : وشام .
( 8 ) . الصفوان : الصخرة الملساء .
( 9 ) . تهطع : تسرع .
( 10 ) . العاديات : الخيل المغيرة .
( 11 ) . النبض : حركة دقّات القلب الظاهرة في العروق .