فيا ترى أكان خبر الأرضة قد تسرّب إلى هشام بن المغيرة ورفاقه ولمّا يفد على مجلسهم أبو طالب ، فحرصوا على المبادرة إلى الدعوة لرفع الحصار ؟
ربّما .
أو لعلّهم شاءوا أن يسبقوا غيرهم من أساطين قومهم إلى فضلٍ تكون لهم به منّة لدى الهاشميّين والمطلبيّين تُسجَّل بالفخر وتُذكَر على الدهر ، أو لعلّهم ارتأوا أن يحفظوا على قريش ماء وجهها ، فلا يتسامع العرب بأن ربّ محمد قد أكرهها على العدول عن القطيعة وهي صاغرة ، وإنّما يقال : إنّها - تكرّماً وتفضّلًا - هي وحدها التي عفت ، ففكّت الحصار عن رغبةٍ واختيار .
فإن لم يكن هذا ومثله ، فإنّ وفود أبي طالب عليهم في ذلك الوقت ، هو إذاً الصدفة التي لا يعادلها إعداد ، ولا يفوقها اتّفاق .
* * * ونشطت إلى الكعبة الجموع كسيل هدّار ، استبقوا إلى حيث الصحيفة المعلّقة بسترها ، ليستوضحوا حديث شيخ بني هاشم عنها ، وما في أخلادهم إلَّاأنّه حديث خرافة ، ومحض هراء « 1 » أو ادّعاء .
وما يضيرهم لو شقّوها ؟ لسوف يجدونها على نفس هيئتها من بضع سنين ، لسوف تكون الدليل الذي لا يستطيع أن يدحضه أو يماري فيه أحد من المحصورين أو غير المحصورين ، لسوف تسفر عن تسليم محمد ، فيقتلوه وينفضوا أيديهم من نزاعٍ مشى بينهم بالفرقة ، فبعضهم لبعض عدوّ ، وبعضهم لبعض ظهير .
وكان الخمسة في مقدّمة السيل .
وانبرى من بينهم المطعم بن عدي فاقتطف الصحيفة كما يقتطف ثمرةً من غصن شجرة ، ثم رفعها للأشهاد ثم بسطها بين يديه .
هامش
( 1 ) . الهُراء : الكلام الكثير الفاسد ، الذي لا نظام له ولا أصل .