والذين عاضدوا « 1 » محمداً على حرف ، كان من الطبيعي أن يدركوا - أو كثرتهم - أنّهم غدوا منه أقرب ، ربّه أعرف ، وله أطوع منهم قبل بدء الحصار .
ربّما لأنّهم عايشوه ، أو خايلتهم منه أقباس نور ، أو شاموا في الغد المقبل الرجاء ، أو استوعبوا عبرة التجربة التي فرقت الحقّ من الباطل ، ومازت « 2 » الطيّب من الخبيث .
لا جرم ولا جدال ، فحياتهم قبل صحبتهم له بمنفاه كانت تيهاً هائلًا من الفراغ ، أرواحهم كانت جوعى ، وأفئدتهم ظماء « 3 » ، كانوا كمثل التربة البكر ، تتوق للقطر ، وتنتظر المحراث ، ليخرج زرعها شطأه ، وينشر النضرة والخير .
ولابدّ قد تأثرّوا به ، لابدّ قد طوفوا مع دعوته إلى الإسلام ببعض جوانب الحكمة الربانية تطوافهم خُشّعاً بالمسجد الحرام ، لابدّ قد استهواهم ترتيله القرآن ، وتفصيله آياته ، وتحليله معانيه استهواء الرحيق النحل ، والضياء الفراشات ، والخضرة العصافير .
كانت نفوسهم ترفرف مع أفكاره حول الذكر ، تحويم الطير حول مواطن الحبّ والماء ، انتجاعاً « 4 » لما يسدّ الرمق ، ويطفئ الأوام « 5 » ، فتغدو وهي صَديا خِماص « 6 » ، وتوشك أن تروح وهي ريا بطان « 7 » .
ولم لا ؟ فلعلّ اللَّه أن يفتح لهم باب الطاعة ، لعلّه أن يرزقهم الهداية
« وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها »
« 8 »
.
أو كأنّهم النحل إذ أوحى ربّك إليها :
« أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ
هامش
( 1 ) . عاضد : أعان .
( 2 ) . ماز الشيء عن غيره : إذا انفصل وانعزل عنه .
( 3 ) . ظماء : عطشى .
( 4 ) . المنتجع : الموضع يقصده الناس في طلب الكلأ ، يقال : استنجع القوم فانتجعوا .
( 5 ) . الأَوام : العطش .
( 6 ) . الصَدْيان : الجوعة ، والخِماص : جمع خمص ، وهو النحيف الضامر البطن .
( 7 ) . الريان : ضد الصَدْيان ، والبطان : جمع بطن ، وهو ضدّ الخمص .
( 8 ) . العنكبوت : 60 .