واخترق عليهم نديهم ، ثابت الخطى ، صلب الأسارير ، فلمّا وقف على رؤوس أشرافهم أدار فيهم نظرةً صارمةً ، ثم رماهم بالخبر اليقين الذي لا يحسب أحد أنّ غيره كان أحرى بأن يخرم منهم المسامع ويرجّ الأفهام ، ويدمّر إنكار كلّ منكر وريبة كلّ مستريب .
قال لهم بنبرات قاطعة كالسيوف : يا قوم ، إنَّ ابن أخي أخبرني أنَّ اللَّه سلّط على صحيفتكم الأرضة ، فلحست ما كان فيها من جور وظلم وقطيعة رحم ، وبقي فيها ما ذكر به اسم اللَّه .
فهل أحالتهم كلماته أصناماً منصوبة ؟
بغتتهم الدهشة ، على معاطسهم « 1 » جمدت الأنفاس ، بشفتيه لصقت أعينهم ، لايتحرّك فيها إنسان ، ولا يطرف لها هدب ، ولا يهتزّ حملاق « 2 » كأنّما شلّت منهم الجفون .
من وجوههم غاض اللون ، فانساخت بها الملامح ، وتداخلت معالمها ، وقد كساها شحوب بدت به كصُحُف بيضاء لم يخطّ فيها يراع .
وأكمل الشيخ يقول : فإن كان ابن أخي صادقاً نزعتم عن سوء رأيكم ، وإن كان كاذباً دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه .
فهل من تحدٍّ كهذا التحدّي يغلق باب المكابرة والعناد ؟
هل من نَصَفَةٍ كدعوته أحقّ بالنظر والقبول ؟
وظلّوا هنيهة واجمين « 3 » ، ماذا عساهم يقولون ؟ أم كيف يحارون ؟
لكنّ صوت أحد الخمسة نطق بالرضا أو أعلن التسليم ، قال يجيب : قد أنصفتنا .
وتابعه على رأيه الأكثرون .
* * *
هامش
( 1 ) . المَعْطَس والمَعطِس : الأنف .
( 2 ) . الحُملاق والحِملاق والحُملُوق : باطن الجفن .
( 3 ) . الواجم : الساكت ، العاجز عن التكلّم من الغيظ أو الافحام .