هنا ، أقبل محمد ذات يوم على أبي طالب يقول :
« يا عم ، إنّ اللَّه قد سلّط الأرضة « 1 » على الصحيفة ، فلم تدع فيها اسماً هو اللَّه إلّا ثبّتته فيها ، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان » .
قال أبو طالب والفرحة في وجهه تغلب على الدهشة : أربّك أخبرك بهذا ؟
- « نعم » « 2 » .
وهناك ، مشى هشام بن ربيعة إلى زهير بن أُمية بن المغيرة ، يكلّمه في أمر القطيعة والمقطوعين .
بعد سنوات ثلاث من الاستبداد والضيم أَلِمَتْ ضمائر نفرٍ من أساطين مشركي قريش ، ووجبت قلوبهم ندماً أن أخرجوا الطالبيّين والهاشميّين إلى فجاج الجبال ، عطفتهم أخيراً الرحم ، تارت بحقّ المودّة في القربى الدماء في العروق ، وراحوا يتلاومون .
قال هشام : يا زهير ، أقد رضيت أنّا نأكل الطعام ، ونلبس الثياب ، وننكح النساء وأخوالك حيث علمت ؟ أما إنّي أحلف باللَّه لو كانوا أخوال أبي الحَكَم بن هشام ، ثم دعوتهم إلى مثل ما دعاك إليه منهم ، ما أجابك إليه أبداً .
أجاب زهير وقد مسّ كلام صاحبه مكمن المروءة فيه : وما أصنع ؟ إنّما أنا رجل واحد ، وواللَّه لو كان معي رجل آخر لقمت في نقض الصحيفة حتّى أنقضها .
قال هشام : قد وجدت رجلًا .
- من هو ؟
- أنا .
فتهلّل وجهه ، وقال : أبغنا رجلًا ثالثاً .
فغدوا ثلاثة ثم أربعة ثم خمسة .
هامش
( 1 ) . الأرضة : دويبة من فصيلة الأرضيّات ، تقرض الأخشاب والأوراق ، وتعيش في المناطق الحارة .
( 2 ) . سيرة ابن هشام 2 : 377 .