وانطلق زهير ومعه ثلّته تلك إلى أندية القوم ، حتّى إذا طاف بالبيت وفرغ من طوافه ، نادى في الناس : يا أهل مكة ! فألقوا إليه بالسمع والبصر والفؤاد .
قال : يا أهل مكة ، أنأكل الطعام ، ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يُباع لهم ولا يبتاع منهم ؟ ! واللَّه لا أقعد حتّى تشقّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة .
وعلى الأثر انتفش أبو جهل غضباً وصرخ : كذبت ، واللَّه لا تُشَقّ .
قال له أحدهم : أنت واللَّه أكذب ، ما رضينا كتابتها حيث كتبت .
وآزره أصحابه ومن ورائهم جمع ممّن شهد هذا الموقف ، حتّى تعالى الصياح ، وهدر هديراً غرق فيه صوت أبي جهل : طاغية بني مخزوم .
وخسئ الجَهُول الغَشُوم .
عيي لساناً وحركةً إلَّاأن أخذ يضرب كفّاً بكفّ ، ويقلّب فيهم عينيه كأنّه مأخوذ ممسوس ، وهو يردّد وقد خنقه حنقه : هذا أمر قُضي بليل ، هذا أمر قُضي بليل ، وتشوور فيه بغير هذا المكان !
* * * وماجت الجموع « 1 » ، واختلطت الأصوات ، واختلفت الآراء ، افترق الناس فرقين عظيمين كما انشقّ بحر فرعون عندما ضربه موسى بعصاه ، وعربدت « 2 » الألسنة من أولئك وهؤلاء عربدةً عشواء ، تفصح كإبهام ، وتبهم كإفصاح ، حتّى لا يُدرى أصياحها الكلام أم كلامها هو الصياح .
ثم كان لابدّ من نهايةٍ للرواية ، كان لابدّ من طيّ السجلّ ، ورفع الأقلام .
وعندئذٍ ظهر أبو طالب إذ قُدِّر له أن يكون هو من يجهز على ذلك الجدال ، ويضع حدّاً لحيرة الجمهور ، من شعبه حيث قطعه استبداد قريش ، سعى إلى مكة لينقل إلى سادة قريش قول ابن أخيه عسى أن يكفّوا عن البغي الذي سدروا فيه .
هامش
( 1 ) . ماجت الجموع : إذا اختلفت أمورهم واضطربت ، ودخل بعضهم في بعض .
( 2 ) . العربدة : الشدّة من كلّ شيء