فأخرجوا المقطوعين فيه من حصارهم إلى ديارهم ، وقد أمّنوا لهم طريق العودة إلى البلدة .
* * * وتحوّل اتّجاه التيار ، تبدّلت الأمور غير الأمور ، كلّ فريقٍ من الناس ظهر وما هيِّئ له ، وعلى ما أخذ ذلك الموقف منه أو أعطاه ، فكأنّ صحيفة القطيعة إذ انشقّت ، تفتّق سرّها عن جندلٍ « 1 » اعترض ماء جدولٍ فغيّر مجراه .
فأصحاب الشعب أجمعين استقبلوا الحرّية رافعي الرؤوس ، مشدودي القامات ، على ثقةٍ وطيدةٍ بالذات ، وبجدوى الإصرار والثبات .
والحرّية انتصار . . . وليس شيء يضاهيها قيمة في قاموس كرامة الإنسان .
الذين دخلوه منهم وهم مسلمون غادروه وإنّهم أكثر قوة شكيمة ، وأعظم متانة أسر منهم في بدء الحصر ، خرجوا وهم أصلب صلابةً من الصلب ، أنقى نقاوةً من الذهب ، أشدّ شدّةً من العذاب .
صهرتهم بنارها الويلات ، فخلصت نفوسهم ممّا كان عالقاً بجواهرها الفطرية من بقية خبث الجاهلية ونفاية عبث الشيطان ، صقلهم الصبر ، ازدادوا إيماناً على إيمان .
والذين - عن غير هدى - رافقوا المؤمنين في رحلة القطيعة ، استجابةً لنداء الدم ، وصَغْواً « 2 » لصلات الرحم ، وجنوحاً « 3 » مع العصبية ، ما أن خلفوا وراءهم في الشعب المعيشة الضنك حتّى خامرهم الشعور بأنّهم يتقلّبون على الشكّ تقلّب أَرقٍ « 4 » على فراشٍ نصف حشوه شوك ونصفه الآخر حرير .
والشك - عادةً - طريق المعرفة ، وأحياناً خطوة إلى اليقين .
هامش
( 1 ) . الجندل : الصخر العظيم .
( 2 ) . الصَغْو : الميل إلى الشيء .
( 3 ) . جنح إليه : مال إليه .
( 4 ) . أَرِقَ أرقاً : ذهب عنه النوم في الليل ، فهو أَرِقٌ وآرقٌ .