تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وعندما يضيع من النفس طريق الأمان ، ويحاصرها الحرمان ، فإنّها تعيش الكآبة ، وتحيى الوجوم . ومن وراء الآلام النفسية ، والضعف البدني ، برزت لنا الزهراء في مستهلّ مسيرتها إلى صباها المبكّر ، بعُودٍ عادلٍ ولكنّه أقرب إلى ذابل ، وبوجهٍ قسيمٍ ولكنّه أدنى إلى هضيم ، وبنفسٍ نديّةٍ ولكنّها أميل إلى الرزانة منها إلى خفّة النفوس الفتية ، وإلى الجدّ منها إلى المرح والدعابة . بالحساب الزمني كانت صبية في بداية سنيّها العشرية ، وبالحساب الموضوعي لاحت كسيّدةٍ أطلّت على الأربعين . وهل كان لها مهرب من قدرها المقدور ؟ إن قلبها ما أن تفتّح وردةً غضّةً حتّى استقبلتها دنياها بزمجرة العواصف وهوج الأعاصير ، الحياة لم تعد مبسوطة الأسارير « 1 » ، الضياء كالضباب ، الألوان كالحة « 2 » غُبر « 3 » كقِطَعٍ من غبش الليل أو عبوس الغروب ، ولّت الحسنى ، دُكَّت القيم ، قُطعت الرحم . على نضارة عمرها ولينه ظلّت تعايش أباها همومه وآلامه ، قاسمته أذى قومه وعنفهم به ، لقمةً بلقمة ، وكسرةً بكسرة ، طوال كفاحه المضني شاربته عصارة العلقم ، كلّ خلاصة أحزانه امتصّتها ، حتّى امتلأ بها قلبها إلى الحافّة ، ولم يعد فيه موضع لفرحة . وعندما لاح لأصحاب الشعب أنّ محنتهم أخذ تتقشّع ، ما نظنّها حسبت غدها سيكون مجلوّاً كعروس ، فالماضي ينبئ بالمستقبل ، والمحنة قد تلد المحنة . . . لكنّها صابرت الأيام ، وما لها لا تفعل والعسر يخلفه يسر ، والليل يتلوه نهار ، ما لها تتعجّل الدموع وإنّ في مآقيها « 4 » لبقية . وتمهّلت تنتظر . من خلال ما خفّ إليها من حديث الناس عن صحيفة المقاطعة ، هنا بالشعب وهناك بمكة ، وعلمت ما لم يكن ليجول قطّ للمشركين في بال ، سمعت ما كأنّه ، في رأي القوم ، رؤيا منام أو وهم خيال :
هامش
( 1 ) . مبسوطة الأسارير : أي سوية كما كانت . ( 2 ) . ألوان كالحة : غامقة . ( 3 ) . الغُبر : المتلطّخة بالغبار فاكتسبت لونه . ( 4 ) . المآقي : مجرى الدمع من العين ، مفرده : مَأْق .