وعندما يضيع من النفس طريق الأمان ، ويحاصرها الحرمان ، فإنّها تعيش الكآبة ، وتحيى الوجوم .
ومن وراء الآلام النفسية ، والضعف البدني ، برزت لنا الزهراء في مستهلّ مسيرتها إلى صباها المبكّر ، بعُودٍ عادلٍ ولكنّه أقرب إلى ذابل ، وبوجهٍ قسيمٍ ولكنّه أدنى إلى هضيم ، وبنفسٍ نديّةٍ ولكنّها أميل إلى الرزانة منها إلى خفّة النفوس الفتية ، وإلى الجدّ منها إلى المرح والدعابة .
بالحساب الزمني كانت صبية في بداية سنيّها العشرية ، وبالحساب الموضوعي لاحت كسيّدةٍ أطلّت على الأربعين .
وهل كان لها مهرب من قدرها المقدور ؟
إن قلبها ما أن تفتّح وردةً غضّةً حتّى استقبلتها دنياها بزمجرة العواصف وهوج الأعاصير ، الحياة لم تعد مبسوطة الأسارير « 1 » ، الضياء كالضباب ، الألوان كالحة « 2 » غُبر « 3 » كقِطَعٍ من غبش الليل أو عبوس الغروب ، ولّت الحسنى ، دُكَّت القيم ، قُطعت الرحم .
على نضارة عمرها ولينه ظلّت تعايش أباها همومه وآلامه ، قاسمته أذى قومه وعنفهم به ، لقمةً بلقمة ، وكسرةً بكسرة ، طوال كفاحه المضني شاربته عصارة العلقم ، كلّ خلاصة أحزانه امتصّتها ، حتّى امتلأ بها قلبها إلى الحافّة ، ولم يعد فيه موضع لفرحة .
وعندما لاح لأصحاب الشعب أنّ محنتهم أخذ تتقشّع ، ما نظنّها حسبت غدها سيكون مجلوّاً كعروس ، فالماضي ينبئ بالمستقبل ، والمحنة قد تلد المحنة . . . لكنّها صابرت الأيام ، وما لها لا تفعل والعسر يخلفه يسر ، والليل يتلوه نهار ، ما لها تتعجّل الدموع وإنّ في مآقيها « 4 » لبقية .
وتمهّلت تنتظر .
من خلال ما خفّ إليها من حديث الناس عن صحيفة المقاطعة ، هنا بالشعب وهناك بمكة ، وعلمت ما لم يكن ليجول قطّ للمشركين في بال ، سمعت ما كأنّه ، في رأي القوم ، رؤيا منام أو وهم خيال :
هامش
( 1 ) . مبسوطة الأسارير : أي سوية كما كانت .
( 2 ) . ألوان كالحة : غامقة .
( 3 ) . الغُبر : المتلطّخة بالغبار فاكتسبت لونه .
( 4 ) . المآقي : مجرى الدمع من العين ، مفرده : مَأْق .