سوى خطوات ، بدوا كبراعم على أَسْوق « 1 » تكاد من وهىً « 2 » تنقض ، كأنّما انقطع عنها الماء فلا ريّ ، وامتنع الطلّ « 3 » فلا علّ « 4 » . . . جفّت الأوراق وضمرت الأعواد .
ولم يكن أصدق مثلًا لأولئك من أبي طالب شيخ بني هاشم ، الذي كان قد اقتحم إذ ذاك حدود القرن الثاني من سنيّه وأوغل فيه .
لقد أدمى قدميه السعي على مدرجة العمر ، السنوات الأخيرة العجاف من أجله ، بمنفاه ذاك ، اعتصرت بدنه إلَّاثمالة « 5 » ، تركته كفنن مهصور « 6 » ، أقوته كطلل درست آثاره ، لم تدع منه سوى بقايا خفقات ذبالة « 7 » .
لكنّه ثبت على ما نذر نفسه له ، ظلّ على الطريق ، ايمانه لم يعرف الخور ، صبره أعيى الصبر .
فإن يكن ما حمله من كفاحه ، فوق عبء السنين ، قد أحنى ظهره ، فكأنّما ليجعله كالقوس حين يهمّ الرامي بتهيئة سهمه للانطلاق !
* * * وعلى نحو نسقه ، أو أعتى همّةً ، كانت خديجة .
كانت الأُم الرؤوم التي - برّاً بزوجها الأمين وبأبنائها الأُباة المجالدين - راحت بكلّ السخاء والأريحية « 8 » تبذل من ذات يدها الذهب والنشب « 9 » ، وبكلّ السماحة
هامش
( 1 ) . الأَسوق والسيقان والسُوق : جمع ساق ، ما بين الكعب والركبة .
( 2 ) . الوهي : الضعف .
( 3 ) . الطلّ : المطر الضعيف ، الندى .
( 4 ) . العلّ : التتابع في السقي ، المرّة بعد الأخرى .
( 5 ) . الثمالة : البقيّة .
( 6 ) . الفنن المهصور : الغصن المكسور من غير بينونة .
( 7 ) . الذبالة : الفتيلة .
( 8 ) . الأَريحيّة : خصلة في الإنسان تجعله يرتاح إلى أفعال الخير وبذل العطايا .
( 9 ) . النَشَب : المال ، العقار .