تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
من ابن أخيك فلم تنهه عنّا ، وإنّا لا نصبر على هذا : من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا حتّى تكفّه عنّا أو ننازله وإيّاك حتّى يهلك أحد الفريقين « 1 » . فما فعل الشيخ ؟ لم يزد على أن قال للنبي بعد حديثٍ معه قصير : اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت ، فواللَّه لا أُسلّمك لشيء أبداً . وبلغهم أنّه صوّر عزمه في شعرٍ قال فيه :
واللَّهِ لَنْ يَصلْوا إليك بجَمْعِهِم * حتَّى أُوَسَّدَ في الترابِ دَفينَا « 2 »
وبرموا به . . . ثم رأوا ألَّا مناص لهم ، ليحفظوا هيبتهم في العرب ، من أخذ محمد أخذةً باطشةً من وراء ظهر أبي طالب ، فيصبح الشيخ على ابن أخيه وهو صريع قد لقي حتفه غيلةً ، وثأره مفرَّق بين قبائل قريش ، لا يدري أحد أيّها الواتر « 3 » الذي يقع على رأسه دم القتيل . لكن العم اليقظ الأريب شمّ الريح ، فأسرع من فوره فجمع فتيةً أجلاداً من الهاشميّين ، دفع بهم خلسةً إلى مجمع القوم ، ووكل إلى كلّ فتىً منهم رقبة زعيم ، يقطّها عندما يئين الأوان ، ومضى يبحث عن النبي حيثما ظنّ أن يلقاه . تثاقلت بسادة الشرك خطى الساعات ، انتابهم قلق لا يكادون يعرفون مأتاه ، تنفّسوا مع الهواء الوجوم ، توجّسوا شرّاً مجهولًا وقد أحسّوا كأنّهم في حصار ، وعلى الأثر وأدوا في طواياهم تآمرهم ، كما يقبض السبع مخالبه في براثنه بعد نشرها تهيّؤاً للانقضاض . فإن هي إلَّاهنيهة حتّى أشرف عليهم أبو طالب ، متلهّب العينين من غضب - وإلى جواره النبي - وصاح : يا معشر قريش !
هامش
( 1 ) . راجع سيرة ابن هشام 1 : 265 ، الروض الأنف 2 : 4 عن ابن إسحاق . ( 2 ) . ذكر الأبيات الزمخشري في الكشاف 2 : 14 تفسير سورة الأنعام : 26 ، وابن أبي الحديد في شرح النهج 14 : 55 ، وابن البطريق في العمدة : 411 وفيه : « حتى أغَيَّب . . » وفي ص 415 ذكر القصة كاملة . ( 3 ) . الواتر : القاتل الظالم . والموتور : المقتول الذي لم يُدرك بدمه .