تغالوا في عنفهم بمحمد وأصحابه إلى أقصى الغُلواء « 1 » ، فإذا شدّتهم هذه - وإن أبردت بعض غليلهم - لم تكن لترضي كثيرين بين رجالات قريش النافرين من الإسلام .
ولا مَراء ، فلوشيجة « 2 » القُربى حقوق ، ولصلة الأرحام حقوق ، وللنسب والصهر حقوق ، وهم إن آذوا ، فالأذى إذاً لاحقٌ ببضعةٍ منهم ، ومردودة عقباه عليهم غداً ، أو بعده ، أو في نهاية المطاف .
لكنّهم كانوا قوماً لا يفقهون ، فعدوا كما أغراهم السفه ، وساقتهم خفّة العقول ، حنق طائش ، وغيظ جموح « 3 » ، وحمق حرون « 4 » ملكت عليهم أعنّتهم « 5 » ، فانطلقوا في سلوكهم مع الهوج إلى أبعد الآمال ، بغير تبصّرٍ ولا اشتشفاف لعقبى الأُمور ، ولا انتهاج لحنكة السياسة ، أو التسلّح بإحكام الإعداد .
فهل ترى حسبوا عدوانهم الطاغي مستأصلًا غريمهم من الجذور ؟ أم ظنّوا عنفهم تجارة رائجة في سوق الكفاح لن تبور ؟ أم غرّهم أنّهم الأكثرون ؟ بل عداهم الصواب ، فلا محمد تمهّلت به خطواته على الطريق ، ولا أصحابه أوهنهم الويل والعذاب .
وتلك سنّة الفطرة ، طبيعة الحياة ، ناموس « الدفع » الذي يحفظ على المجتمع الإنساني حركته من أجل صيانة المثل السامية وكرامة الإنسان أن يغمرها الجمود والركون
« وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً »
« 6 »
.
هامش
( 1 ) . الغُلواء : الغلوّ ، وهو المبالغة في الشيء .
( 2 ) . الوشيجة : العلاقة المتّصلة المتشابكة .
( 3 ) . الجَمُوح : المسرع الطائش الذي لا ينثني .
( 4 ) . الحَرون : الملازم بالمكان لم يفارقه ، يقال : بغل حَرُون ، إذا وقف ولم ينقد .
( 5 ) . الأعنّة : جمع عِنَان ، وهو سير اللجام الذي يربط بالفرس ، سمّي بذلك لأنّه يعترض الفم فلا يلجمه ، يقال : ذلّ عنانه ، أي انقاد ، ورجلٌ أبيّ العنان ، أي ممتنعاً .
( 6 ) . الحج : 40 .