فلكلّ فعلٍ ردّ فعلٍ يساويه ، الهجوم من طرفٍ يقابله من طرفٍ آخر دفاع ، الشدّة تحفّز على الاشتداد ، والعناد يثير العناد .
ولقد كان من سفه العادين وسوء رأيهم أن استجاشوا براعتهم في شؤون التجارة ، فخالوا الرسول سلعةً في سوق البيع والشراء ، يسهل عليهم اقتناؤها لو أثمنوا لها ثمناً يجزل الجزاء للبائع وتسخو به يد المبتاع ، تصوّروا المقايضة عليه أمراً لا يردّه ذووه .
وكانت هذه ثاني مرّة رأوه فيها كمتاع .
في الأُولى ذهبوا إلى عمّه يقولون : يا أبا طالب ، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتىً في قريش وأجمله فخذه ، فلك عقله ونصره ، واتّخذه ولداً فهو لك خير ، وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين أبائك ، وفرّق جماعة قومك ، وسفّه أحلامهم ، فنقتله ! فإنّما هو رجل برجل .
فعجب الشيخ لهذا الأفن « 1 » منهم ، وإنّهم لأُناس تراهم العرب سادة الرأي بين ذوي الآراء ، وعلى قمّة الحكمة بين الحكماء ، وقال بامتعاض : لبئس ما تسومونني ! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ « 2 »
وفي الثانية مضوا أيضاً إلى أبي طالب ، ومعه ذووه من بني عبد المطلب وبني هاشم ، ليشتروا منهم الرسول ، قالوا لهم : خذوا منّا ديةً مضاعفةً ويقتله رجل من قريش ، فتريحونا وتريحون أنفسكم ! !
فكان عجباً من العجب أن تحملهم الحماقة على المعادلة في كفّتي ميزان ، بين محمد وبين حفنة من المال .
وباءوا « 3 » - كما باءوا من قبل - بالهزء والسخرية حتّى لتحسبهم ودّوا لو خلت
هامش
( 1 ) . الأَفَن : ضعف الرأي ونقص العقل .
( 2 ) . راجع سمط النجوم العوالي 1 : 391 عن الذهبي في تاريخه ، وتذكرة الخواص : 18 .
( 3 ) . باء بالشيء : رجع به .