ويجعلهم بين القبائل أُحدوثة هوان ، فليطوّحوا بهم إذاً في متاهةٍ كمتاهة بني إسرائيل ، فليخرجوهم من ديارهم وأرضهم إلى المفاوز والفجاج ، فليبنوا بينهم وبينهم سدّاً كمثل سياج ذي القرنين الذي ضربه حول يأجوج ومأجوج ، فليقدّموهم وليمةً شهيّةً لسباع العزلة والحصار ، وضباع العري والجوع .
وفعلوا ، اتّفقوا بقضّهم وقضيضهم « 1 » على مقاطعة بني هاشم وبني عبد المطلب ، لايكلّمون منهم أحداً ولا يجالسونهم ، ولايزاوجونهم ، ولا يبيعون لهم أو يشترون منهم ، حتّى يخترمهم الموت أو يكفوا محمداً عنهم أو يسلموه ، وكتبوا بذلك صحيفةً علّقوها بالكعبة .
فعلى أيّ نحوٍ مضت الأحوال في المجتمع المكّي آنذاك ؟
أمّا قريش فقد أجمعت الرأي على إنفاذ عهدها الضاري ، كما لم تجمع قطّ قبل يومها هذا على إنفاذ الرأي ، تواصت بالخسّة عشائر وقبائل ، أفخاذاً وفصائل ، بطوناً وعمائر « 2 » ، أسياداً وعبيداً ، جموعاً وفرادى جدّت في مطاردة خصومها بالقطيعة .
وأمّا بنو هاشم وبنو المطلب فقد استقبلوا التحدّي بمثله ، كالبنيان المرصوص وقف كافرهم ومؤمنهم مع النبي ، في صفٍّ واحدٍ هو العزم والإصرار ، تقدّموا إلى المحنة المحيقة بهم غير هيّابين « 3 » ، وكانت أرواحهم في أيديهم ، وما يضيرهم لو سخوا بها ما داموا على إباء وكبرياء ؟
وأمّا أبو لهب فقد شذّ عنهم ، ظاهر وحده حزب الطغيان على الطغيان على آله ، خرج على بني أبيه ، تبع امرأته كأنّه دابّة ذلول ، كان لها كالظلّ ، إذا وقفت وقف وإذا سارت سار ، وكان قوله ، حرفاً بحرف ، وكلمةً بكلمة ، صدىً للغو حمّالة الحطب ،
هامش
( 1 ) . القَضّ : صغار الحصى . يقال جاء القوم قَضُّهم وقَضيضهم ، أي جميعهم .
( 2 ) . العمائر : جمع عمارة - بالفتح والكسر - وهي فوق البطن من القبائل ، أولها الشَعْب ، ثم القبيلة ، ثم العشيرة ، ثم العمارة ، ثم البَطْن ، ثم الفَخِذ ، ثم الفصيلة . راجع لسان العرب 1 : 500 مادة « شعب » و 4 : 606 مادة « عمر » .
( 3 ) . الهيّاب : كثير الخوف .