تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
لهم أنّ أصحاب محمد - مقيمهم ومرتحلهم - قد تبدّلوا بخوفهم أمناً ، وبقلقهم طمأنينة ، وأنّ الثقة التي أودعتها نفوس المسلمين هجرتهم تلك ، قابلها بنفوس أهل الوثنية شكّ في عقيدة الآباء يخامر خواطرهم وإن هم كتموه ولم يسفروا عنه استكباراً وصلفاً وضغينة . وأنّ ديناً يؤثره أبناؤه على الوطن والولد والمال لهو دين حقيق بالنظر والتفكّر إن لم يكن حقيقاً بالمؤازرة والاتبّاع . وأنّ ثمّة علائم توحي بوشك تضعضع الشرك والانفضاض عنه ، بعد أن انقلبت عليه المسيحية - الدين الغالب على دنيا تلك الأيام - متمثّلة في النجاشي الذي ظنّ المكّيون أنّه وقومه حلفاؤهم الطبيعيون على مقاومة الإسلام . فهل كان هذا الذي حدث يعني - على أيّ وجهٍ من الوجوه - انتصار دعوة التوحيد ، أو ميل أعدائها إلى رفع الراية البيضاء ؛ إيذاناً منهم بنبذ أسباب الشقاق والخصام ، والفيء إلى الوفاق والسلام ؟ كلّا ، فما وقع لم يكن ليعني هذا أو يعني ذاك ، ولا خدع المسلمين عن حقائق الأوضاع السائدة فقارفوا الدعة ، في وقتٍ كان فيه الركون للدعة كمقارفة كبائر الفواحش والآثام ، ولا جال ببالهم أنّه أمر وشيك الحلول وإن هو ظلّ دائماً أُمنيةً عذبةً ، تراود أخيلتهم حين اليقظة ، وتعيش في أحلامهم آونات المنام . فدونه سور شاهق من الغيّ والجهالة يحاجز بين قريش وبين النور ، دونه استغراقها في ضلالة الآباء ، دونه ذخر في وفاضها « 1 » مذخور من الحمق والعناد ، ومن المواجد والأحقاد . بل قد كانت تلك الفترة لكلا الحزبين : حزب اللَّه وحزب الشيطان ، أدنى إلى مهلةٍ للاسترواح أو لالتقاط الأنفاس ، كانت تهيّؤاً للسباق .
هامش
( 1 ) . الوفاض : الجلدة التي توضع تحت الرحى يُجمع فيها ما يُطحن ، وهو أيضاً المكان الذي يمسك الماءفيجتمع فيه .