فإن هي إلَّاأيام حتّى نشط الفريقان ، كالأنابيب المستطرقة التي يرتفع الماء في إحداها بقدر ما يرتفع في الأُنبوبة المقابلة ، احتدمت المنافسة بين كلا المتناجزين على درجةٍ سواء ، تشتدّ هنا كما تشتدّ هناك ، وكلٌّ بتدبيرٍ غير التدبير ، كلٌّ بسلاحٍ يخالف السلاح .
فأمّا محمد فانّ أمنه على المهاجرين قد أضاف إلى قدرته على الحركة قدرةً ، وإلى سرعته في التصرّف سرعةً ، وكشف له عن جدوى سياسة المقاومة السلبية التي استنّها ، فَوَقَته شرّ الاندفاع على غير رويّة ، والانزلاق إلى معركةٍ يودّ أعداؤه استدراجه إليها ، حين يشاؤون وحيث يشاؤون .
وأمّا أصحابه الذين لم يخرجوا من ديارهم ولازموه ، فقد وعوا من رفاقهم النازلين في جوار النجاشي درساً في الثبات على المبدأ ، زادهم تمسّكاً بالحقّ ، والبذل في سبيله ، والصبر على ما يطيقون وما لا يطيقون وإن هم جهلوا ما قد تطالعهم به الأحداث من مخوّف مرهوب أو مرجوّ مرغوب .
وأمّا قريش فإنّ الصدمة الحبشية أخذتها ببغتةٍ أصابتها بما يشبه الدوار ، فلمّا استعادت صوابها المذهوب ، غلا في صدورها غضبها لكرامتها غليان المرجل ، وتفجّر غيظاً ونقمةً وسخطاً تساقطت ويلًا وثبوراً على المسلمين تساقط الصواعق وحمم البراكين .
* * * لكنّ الغضب حين يحمى يفقد صاحبه الاتّزان ، يوهن قدرته على استواء التفكير وسلامة التقدير ، يضعه بين فَكَّي الحماقة ، فإذا هو يضطرب اضطراب فريسة بين فكَّي تمساح ، إن هي سلمت من هويّها في بلعومه فلن تسلم من تمزّقها تحت قواطعه وأنيابه مزقاً مزقاً ، وأشلاءً أشلاءً .
وكذلك كانت حالة رؤوس الشرك العاتية آنذاك .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 196
مساهمون: شوقي محمد
ص١٩٦