فهل لهم عن الخزي من محيص ؟
هل كان أحد في العرب يحسب أنَّ النجاشي خاذل قريشاً حليفته ، وبائع ودّها بالثمن البخس - بل بلا ثمن - من أجل نفير غير ذوي أيدٍ ، فارقوا عقيدتها ، وسفّهوا حلومها ، وعابوا آلهتها ، وفسّقوا آباءها . . . ثم نفض سفيريها عن دولته نفض القذر عن طيلسانه الطاهر النظيف ؟
هل ثمة ما هو أصدق من موقف ذلك العاهل العادل دلالة على شول « 1 » كفّة المشركين ، وخطل « 2 » رأيهم ، وفساد ملّتهم أن ينبو بهم وبمبعوثيهم - قولًا ومسلكاً ومقاماً - فينتصر منهم للجماعة المهاجرة كأنّه لها ولي حميم ، وكأنّه لهم عدوّ غريم ؟
* * * وكيفما كان ما وقع من بعدُ بمكة ، من جبابرة الكفر والغواية ، فإنّ تلك الهجرة إلى الحبشة كانت من طوق الاضطهاد الحديدي - الذي حبسوا المسلمين في نطاقه طوال ما فات من سنين - بمثابة مادة حمضية حارقة ، راحت تجري عليه بالتآكل والتفتيت حتّى أوشك على الذوبان .
فلقد فتحت عيون روّاد الإيمان من طلائع المسلمين على مراغم لهم كثيرة ، وسعةٍ بأرض اللَّه فيما يلي حدود البلدة الحرام ، وكانت في ذاتها حرباً صامتة على الكفر ، لا تسمع فيها صلصلة أسنّة ، ولا قعقعة سلاح ، كانت كفاحاً هادئاً مستأنياً ، لا يقابل العنف بالعنف ، ولكنّه لا يقابله أيضاً بالاستسلام ، كانت مقاومة سلبية ، هي بسلبها في هذه الأيام الحازبة أفعل من الإيجاب ، وأقدر على اتّقاء الأخطاء ، ثم على الإثمار والإخصاب .
وأهل مكة الذين رأوا كيف زلزل موقف النجاشي عنجهية « 3 » أشراف قريش ، تبيّن
هامش
( 1 ) . الشوْل : الخفّة في الميزان ، القليل من الشيء .
( 2 ) . الخطل : الحمق ، الخفّة في الرأي ، الخطأ .
( 3 ) . العُنجهية : الكبر والعظمة والجفاء .