بعد بضع سنين ، وكانت نذيراً بما ادّخره اللَّه للمشركين من وبال وسوء مآل .
قيل : أقبلت عاتكة يوماً على أخيها العباس تقصّ عليه : رأيت واللَّه الليلة رؤيا أفظعتني ، وتخوّفت أن يدخل على قومك منها شرّ ومصيبة .
فسألها : وما رأيت ؟
قالت : رأيت راكباً أقبل على بعيرٍ له حتَّى وقف بالأبطح ، ثم صرخ بأغلى صوته :
ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم ! ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس ، ثم أخذ صخرةً فأرسلها ، فأقبلت تهوي ، حتّى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت ، فما بقي بيت من بيوت مكة إلَّادخلته منها فلقة « 1 » .
وكذلك كان موقف عاهل الحبشة ، دخلت قصته بمكة في كلّ دار ، فإذا هي نذير نقمة وشرّ لأهل الوثنية ، وبشير نعمة وخير لجماعة اللَّه .
كانت لكلّ من الفريقين أشبه بسطحي القمر : سطح خبيء مظلم ، وسطح ظاهر منير ، أو كمثل درهم أو دينار ، فأيّ عملة - كما تنطق هيئتها ، ويجري مجرى الأمثال - لها وجهان ، وبحسب اتّجاه النظرة إلى هذه الناحية أو تلك منها ، تظنّ صفة المنظور .
البيت المسلم رأى عاقبة سفارة الأفّاكين ، وإنّها لعزّة تدعم جانب المؤمنين ، وترويج للدعوة الإسلامية ، يغري نفراً من الناس بالإقبال على الدين الجديد ، أو - في أقل القليل - يشدّهم إلى الإرواد في تفهّمه بالتدبّر والرويّة ، لا إلى مجابهته بالصدّ والنفور .
والبيت المشرك رآها ، وإنّها لمذلّة لأهله وأشباههم من أصحاب عصبية الجاهلية الذين ضلّ سعيهم عند حليفهم سيد أرض الحبشان ، بعد أن كانوا موقنين أثبت يقين أنَّه لا محالة ناصرهم ، فلا هو آزرهم وأيّدهم ، ولا هو حاسنهم وداجاهم ، بل عنّف بهم ، وردّهم عن بلاده ردّاً قاسياً غير جميل ، تطاردهم معرّة الهوان .
هامش
( 1 ) . راجع طبقات ابن سعد 8 : 43 .