تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
في الهوان ، نظراتهما تتساقط من ندامة وحسرة تحت الأقدام ، بين يديهما إلى البلدة الحرام أنباء خذلانهما الذليل تعمّ الأرجاء ، تشيع في الجوّ كغبار ريح السموم ، تقرع الأسماع كدويّ طبول أكلة لحوم البشر في الغابات ، تتبلبل بها الألسنة وتختبل الأفكار . فإن يكن شيء في تلكم الآونة يؤذن بنصرٍ للمؤمنين قريب ، فإنَّه هذه الهجرة المباركة التي كانت بدء خسء المشركين ، وعزّة المسلمين . فلقد هزّت المجتمع المكّي هزّةً عنيفةً من الأساس ، غزت نفوس أهل الأصنام بالقلق والتوجّس ، جذبت إلى الرسالة السماوية الاهتمام من جديد ، بعثت في محيطها الصغير الحركة ، فأخذ يتماوج كلجج تنداح على ما حوله من شطآن ، وتغسل منها الحواف والأطراف . ألم تتح للدعوة ألسنة صدق خرجت بها إلى ما وراء الحدود ؟ بلى قد كان . . . فليست الحبشة وحدها هي التي تسامعت بالإسلام ، بل بلغ ذكره بقعاً أُخريات تناثرت على أديم الجزيرة ، بين غرب وشرق ، وبين جنوب وشمال ، بعضها لاصق اليمن ، وبعضها تاخم الشام . * * * إنَّ موقف النجاشي من الوفادة القرشية أشبه بقنبلة انفجرت بقلب مكة ، وتناثرت شظايا لم ينج منها مكان ، هو كرؤيا عاتكة بنت عبد المطلب « 1 » التي طالعتها في منامها
هامش
( 1 ) . عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية ، عمة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، عاشت في كنف والدها عبد المطلب ، فكانت تتمتّع بحسٍّ مرهفٍ ، ولسانٍ فصيحٍ ، ومجدٍ وسؤدد ، مثلها مثل شقيقتيها : صفية وأوروى ، تزوّجها في الجاهلية أبو أُمية بن المغيرة ، والد أم سلمة أم المؤمنين ، فأنجبت له عبداللَّه وزهير ، والأول أعرض عن الإسلام ، وأمّا الثاني فقد أسلم وكان أحد الساعين لنقض صحيفة المقاطعة التي فرضتها قريش على النبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم وعبد المطلب . وقد كانت بمكة حين وقوع معركة بدر مع مشركي قريش ، قال ابن سعد : أسلمت بمكة وهاجرت إلى المدينة وأقامت بها حتّى وفاتها . راجع طبقات ابن سعد 8 : 43 ، ونساء حول الرسول لمحمود طعمة الحلبي : 193 وما بعده .