تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
إحساسها العميق بقرب بزوغ الفجر الموعود لكانت نهرها كلّها موجات من ليل يسبقه ليل ، ويتبعه ليل ، تمشي الهوينا على دربٍ من حلك الظلمة لا تُرى له نهاية . وحدّثتها نفسها : إن هو إلَّانأي موقوت ، فراق إلى لقاء ، بعاد فمعاد . ثمّ تكشّفت لبصيرتها هذه الرحلة ، وإنّها لسياسة بارعة ، إن يكن هدفها الظاهر نجاة وفرار ، فهدفها الخفيّ فتح الطريق واسعاً تيار الدعوة الإسلامية للتدفّق والانتشار ، أَوَليست الحبشة حينذاك كسفينة نوح ؟ بلى ! انّها لكذاك ، فهي عصمة لأتباع اللَّه من طوفان العدوان ، وهي عيبة تحتويهم بذوراً صالحة لاستنبات الإيمان . وصدق الشعور ، وأيّدت صدقه الأحداث ، كما أكّدته الأخبار . في بدء الأمر ، كان أولئك النازحون عن ديارهم أحد عشر « 1 » ، بعد وقت قصير ، أصبحوا فوق الثمانين . ومن حيث أراد المشركون اقتناص هذا السرب الصغير من الطيور المهاجرة على حين غفلة منها ، وهي في عشّها الحبشي الجديد ، كفأ اللَّه عليهم ميزان التقدير ، فإذا السرب يلقون الأمن ، وإذا الصيّادون ينقلبون بالخيبة . الأفراخ الغريبة الضعيفة ، الخفيفة الريش ، الرقيقة الأجنحة ، الطريّة المناسر « 2 » ، أمدّها ربّها بما لم يجل لأعدائها في حسبان ، فصارت - في كَنَف النجاشي - وإنّها لعُقبان وشواهين ، وصقور ونسور .
هامش
( 1 ) . كذا رواية الواقدي وقال : « إنّ خروجهم إليها في رجب سنة خمس من البعثة ، وأنّهم انتهوا إلى البحر ما بين ماشٍ وراكبٍ ، فاستأجروا سفينةً بنصف دينار إلى الحبشة » . راجع البداية والنهاية 3 : 64 . ويذكر أنّ الأحد عشر مهاجراً - وفي رواية : اثنا عشر - إنّما هم من الرجال ، إذ قد هاجر أربع نسوة معهم ، وهنّ رقية ابنة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وزوج عثمان ، وسُهيلة زوج أبي حذيفة ، وأم سلمة أم المؤمنين مع زوجها أبو سلمة ، وليلى زوج عامر بن ربيعة العبشمي . وروي عن أنس أنّ القوم قد حملوا ابنة النبي صلى الله عليه وآله على حمار . راجع سمط النجوم العوالي 1 : 220 ، والمعرفة والتاريخ 3 : 255 . ( 2 ) . المَنْسَر والمنْسِر : هو للطير الجارح مثل المنقار لغير الجارح .