تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
كلاب طراد مسعورة ، نشطت تتعقّب المرتحلين ، وتحاول أن تستبق دونهم جانب البحر قبل أن يبلغوه . فأيّ كلاب ! إنّها لترهف عرانين أنوفها ، وترفعها على رؤوسها ، تتشمّم الهواء ، وتنشر أهداب جفونها شبكاً تقتنص آثار الخُطى المطبوعة على صفحة الرمال ، وتبسط آذآنها كآذان الفيلة لتلتقط كلّ حسيس ، طوت من الأرض ما طوت ، ونشرت ما نشرت ، وساحلت حتّى أوشكت أن تمشي على الماء . * * * ومن وراء سجوف « 1 » هذه المطاردة ، وقفت فاطمة برفقة القلق ، ترنو بعيون تصوّراتها إلى أُختها رقيّة وهي تدبّ وعثمان والطليعة المؤمنة ، بالظهر والقدم ، بين الفجاج والمفاوز ، على الحصا والصخور ، وفوق كثبان الرمل وجبال الأمواج ، صوب جنّتهم الحصينة التي اختارها الرسول . فيا ترى ، ماذا أصاب أولئك المهاجرين في اللَّه ؟ أَسَوف تضلّ عنهم الكلاب ؟ أسوف يكتب لهم بلوغ شاطئ الأمان ؟ طويلًا انتظرت ، وطويلًا راحت تتنسّم الأخبار ، فإن يكن همّ ينوشها مخافةً عليهم ، فثمة أسىً يفري قلبها من أجل أُختها الحبيبة التي تتهيّأ كلاب الطرد المسعورة لتنهش جسد زوجها ، فتأيم وتلبس الثكل وهي بَعدُ عروس ، لم تنعم بثوب زفافها إلّاوقتاً لا يكاد يحسب بغير الأيام . فأين منها الآن صحبتها الحلوة ؟ ومن لها بحديثها العذب الشهيّ الذي طالما نضّر صباها ، وردّها إلى ذكريات الطفولة الوديعة ؟ لولا حظّها الموفور من التجلّد والاصطبار لمّا جفّت على وجنتيها الدموع ، لولا
هامش
( 1 ) . سُجُوف وأسجاف : مفرده السَجْف ، وهو الستر ، أو الستران بينهما فُرجة يوضعان عادة على الباب .