إلى الحبشة
ومضوا إلى حيث أشار ، سراعاً هاجروا بدينهم ، إلى ذلك الملاذ المنشود للأمان والإيمان ، أسرّوا مسيرتهم عن الأنظار والآذان .
ولقد أوشك أمرهم أن يفتضح للمشركين فيقطعوا عليهم الطريق لولا أن استضاءت بالحقّ في تلك اللحظات الحرجة بصيرة ابن الخطاب بعد ما كان من عداوته للإسلام ، وعنفه بالمسلمين ، تقول ليلى امرأة عامر بن ربيعة ، أحد أولئك النفر المهاجرين : وكان عمر الخطاب من أشدّ الناس علينا في إسلامنا ، فلمّا ركبت بعيري أريد أن أتوجّه إلى أرض الحبشة ، إذا أنا بعمر بلقاني فيقول لي : إلى أين يا أم عبداللَّه ؟
فقلت له : قد آذيتمونا في ديننا ، نذهب في أرض اللَّه حيث لا نُؤذى .
فلعلّها أحسّت ندماً ما أن زلّ لسانها فباح بما كان ينبغي أن يُكتم ، ضماناً لسلامة فَوْجها المهاجر ، لكنّها رأت في وجه عمر رقّةً لم تعهدها من قبل في ملامحه الصلبة القاسية ، ثم سمعته يقول : صحبكم اللَّه .
فودّت لو طابق المظهر المخبر ، إذن لأمنت وأمن المسافرون .
وعندما عاد زوجها ليبدأ رحلة الهجرة حدّثته بما كان ، قال الرجل : ترجين أن يسلم عمر ؟ !
- نعم واللَّه .
قال والشكّ يغلب على تفكيره وتقديره : واللَّه لا يسلم حتّى يسلم حمار الخطاب ! « 1 »
غير أنّ ليلى كانت أصدق من عامر فراسةً ، فانطلقا صوب اليمّ حتّى كان عمر قد أكرمه ربّه ، فذهب إلى النبي وشهد بين يديه بشهادة الإسلام .
ومع ذلك فما أسرع ما نما إلى قريش خبر السفر ، فإذا رجالها من غيظهم ينقلبون
هامش
( 1 ) . راجع سيرة ابن هشام 1 : 342 .