بمرتبة سواء .
فلقد يجاوز العذاب بامرئٍ حدود القدرة على الاحتمال ، فيصرعه الهلاك ، ولقد يرى أحدهم - ليؤمن نفسه - أن يأخذ بالتقيّة فيخفي إسلامه ، ويبدي - وهو كاره - ما يرضي السفهاء ، فيفهم فعله على أنّه ارتداد . . . ولقد يفدح آخر ممّا يعانيه من قسوة القهر وعنف الضرّ ما يشفي به على حافّة الانهيار . . . ولقد يجد راغب في الإسلام في سلوك أولئك ما يفتر همّته ، ويوهن رغبته ، فإذا هو عندئذٍ مثل لغيره من الراغبين غير حميد ، يدفعهم إلى التردّد إن لم يدفعهم إلى أن يظنّوا الظنون بالدين الجديد .
أفليس محمد بقادر - وهذه هي الحال - أن يبادر ، حمايةً لمجتمعه المؤمن الناشئ ، إلى علاجٍ سريعٍ يكسر به حدّة الأذى الشركي عن أصحابه ، ويحسر عن عقولهم مدّ الغواية ليجنّبهم البوار ؟ .
بلى إنّه لقدير على البدار ، والسياسة التي رسمها ذهنه العبقري كفيلة ، بلا أدنى ريب ، بحسم فوري يكفّ أذاية المعتدين إلى حين ، ثم يحقّق للدعوة الانتشار المأمول على المدى الطويل .
وها هو يبدأ فيأمر طائفةً من المسلمين بالخروج من القرية الظالم أهلها ، مهاجرين إلى ملاذٍ مأمون ، قال لهم : « تفرّقوا في الأرض » .
قالوا : إلى أين ؟
قال : « ها هنا » وأشار بيده إلى الجانب الآخر من بحر القلزم الذي يساحل بلاد الحبشان .
وقال : « إنّ بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد ، حتّى يجعل اللَّه لكم فرجاً ممّا أنتم فيه » .
وكان ما اختار ، فالحبشة أُمة كتابية ، تدين بشريعة « الناصري » ابن مريم ، رسول اللَّه ، كتابها الإنجيل . . . والمسيحية سماحة وسلام .
* * *
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 186
مساهمون: شوقي محمد
ص١٨٦