وكان مَثَل حمزة ومَثَل أبي جهل حينئذٍ من الهداية والعماية كمثل من قال فيهما القرآن :
« أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
« 1 » وصدق اللَّه .
* * * أمّا الرقعة البشرية للإسلام فقد بدأ ينحسر عنها الجمود ، على غير ما حسب أصحاب الأوثان ، كان عدوانهم الطاغي على المسلمين أشبه شيء بحجرٍ تلقيه في بركة آسنة ، فيتحرّك ماؤها حلقات حلقات ، نافضاً عن سطحه وغوره موات الركود .
رويداً رويداً ، وعلى هون ، توالت تيارات الدخول في دين اللَّه ، بقدر نشاط حركات النكال كان نشاط حركات الإقبال .
وكان محمد - في هذه الفترة المتقدّمة من مراحل الكفاح - حريّاً بأن يوفّر لتلكم البراعم المؤمنة من راحة النفس ، وقرار البال ، ما يهيء لهم القدرة على التفتّح والازدهار والإثمار ، وأن يجنّبهم شرّ الاستئصال ، وأن يحفظ عليهم الحياة ، إذ هم النواة التي لن تلبث أن تصبح شجرةً فارعة الطول ، ضاربةً بجذورها في الأعماق ، غليظة الساق ، فينانة « 2 » الغصون ، كثيفة الأوراق ، تُؤتي أُكلها بعد حين ، وتنشر ظلّها على العالمين .
أفلا ينأى بهم إذاً عن محنٍ خليقة بأن توردهم موارد التلف ، وتوقعهم في فتنةٍ تهزّ خطاهم على مدرجة الإيمان ؟
بلى قد فعل ، وما كان له إلَّاأن يفعل ، وإنّهم لبشر ، فالضعف طبيعة إنسانية .
وليس الناس جميعاً في صلابة العزم ، وقوة الإصرار ، والصبر على اللَأواء « 3 »
هامش
( 1 ) . الأنعام : 122 .
( 2 ) . الفَيْنانة : الشيء الطويل الحسن ، كالشعر والغصن ونحوهما .
( 3 ) . اللَأواء : الشدّة والمحنة العسيرة .