فلقد مرغ أنف كبير المخزوميّين في التراب ، ولم يبق بيت في مكة إلَّادخلته قصة ذاك الإذلال .
قيل : عاد حمزة يوماً من قنصه وفي عمامته - على مألوف عادته - ريشات تعلمه ، كأنّها تاج يومئ إلى شدّة بأسه ، واعتزازه بنفسه ، فما انطلق إلى بيت اللَّه ليطوف - كما اعتاد - قبل أن يذهب إلى داره بعد إيّابه من رحلاته ، حتّى سمع دبيب أقدام امرأتين تمشيان خلفه ، تقول إحداهما لصاحبتها : لو علم ماذا صنع أبو جهل بابن أخيه فأقصر عن مشيته ، ثم التفت إليهما ، يسأل : وما ذاك ؟
فعلم منهما ، ومن غيرهما ما ساءه ، قيل : صبّ أبو جهل على رأس محمد التراب . . . ألقى عليه فرثاً ، وقيل : وطئ برجله على عاتقه .
فملكه الغضب ، ومضى متوشّحاً بسيفه إلى أبي جهل بنادي قريش ، في المسجد حيث يسمر وأئمة الكفر من رفاقه ، حتّى إذا وقف عند رأسه ، رفع قوسه وضربه به فشجّه شجّةً منكرةً ، وصاح به : أتفعل ذلك بابن أخي ؟
فبهت العقل الزنيم ، وقال بلهجة تنضح بذلّه وصغاره قبل أن تفصح عن أسفه واعتذاره : يا أبا عمارة ، لقد سفّه عقولنا ، وسبّ آلهتنا .
فعصف حمزة وصريف أسنانه يترجم عن غيظه : ومن أسفه منكم ؟ إنّي على دينه ، أقول ما يقول ، فردّ عليّ ذلك إن استطعت .
عندئذٍ قام رجال من بني مخزوم يحاولون مناصرة سيّدهم ، كأنّما ليعيدوا إليه بعض ما أُريق من كبريائه تحت الأقدام ، قال قائلهم : ما نراك إلّاصبأت يا أبا عمارة
فلم يبال كثرتهم ، بل تحدّاهم : وما يمنعني وقد استبان لي منه ؟ أنا أشهد أنّه رسول اللَّه ، وأنّ الذي يقوله حقّ ، فامنعوني إن كنتم صادقين .
فاستخزى أبو جهل ، وأحسّ التخاذل ، فآثر الانسحاب ، قال لأصحابه المناصرين : دعوا أبا عمارة ، فإنّي واللَّه قد أسمعت ابن أخيه شيئاً قبيحاً ، فكفّوا « 1 » .
هامش
( 1 ) . راجع سيرة ابن هشام 1 : 291 - 292 .