تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
ولم تأس الزهراء لفجيعة أُختيها في الزواج ، ولا أسيت الفتاتان ، ولا أسيت الأم أيضاً ، وإنّها لتعلم أنّ سراحهما نعمة محسودة ، تحسب في المسرّات والأفراح ، وليس نقمةً معدودةً في المآسي والنكبات . فبحسب هذه وتلك وهاتين أن خلصت الصبيّتان من محنةٍ أوشكت أن تحيق ، فنجتا نجاة هاربٍ من أرضٍ سبخةٍ أوبأها الطاعون . أم كيف عساهما كانتا تعيشان في وجار « 1 » الضباع ؟ وهل هي حياة أن تظلّا تحت بعلين كعتبة وعتيبة ، لا يوردان ولا يصدران إلَّاعن سفه رأي لأبيهما أبي لهب ، يلقمه إيّاه حقد زوجه حمّالة الحطب كما تلقم أم مصدورة وليدها ثدياً ، يدرّ السقام والوبال ؟ لقد كان الرجل وامرأته نوعاً من الأفاعي البشرية الثرية بسمّها الزعاف ، لولا أنّهما لا يزحفان على البطون بل يدبّان على الأقدام ، وكان لهما في كلّ محنةٍ أصابت محمداً باع ، حتّى عندما تعاهد بنو عبد المطلب وبنو هاشم على حماية محمد من عسف قريش ، وقف ذلك العمّ الخاسر وصاحبته الحاقدة في الجانب الآخر . لكنّ الليل يتبعه دائماً نهار . في جانب الأُفق المعتم الذي تراكمت عليه سحائب القنوط ، طبقات طبقات ، انفتحت كوىً من الرجاء ، وها هو بعض الهدوء النفسي يخامر خواطر روّاد الإيمان وهم يرون يد التغيير بدأت تلمس بريشتها الزاهية بعض جوانب الحياة . ظهرت قطرات ضوءٍ تلمح من بعيد كلمح البياض من أعين سود ، تمخّض « 2 » الظلام عن بشائر فجر جديد . ولا عبرة هنا بالعذاب البدني الذي اشتدّ أذاه ، بل العبرة ، - كلّ العبرة - في القضايا الإنسانية ودعوات الدُعاة ، بالقدرة على التجلّد ، والصبر على المكاره ، والشعور
هامش
( 1 ) . وجار الضباع : جحرها . ( 2 ) . تمخّض الظلام : أي انكشف .