يعبدون ، وتواصوا بالنَفْر في البلدان التماساً للحنيفية : ملّة إبراهيم ، وهدوا إلى التوحيد .
كان في قريش ذا مكانةٍ وقدرٍ معلوم ، وكان ينشد الحقيقة الواحدة أيّ نشدان ، بشفيف روحه ، وصفاء نفسه ، علم ما لم يكونوا يعلمون ، أو ما قد أنساهم إيّاه الشيطان ، فداس الشرك ، ونبذ الأصنام ، وحرّم الميتة والدم ، ونهى عن قتل الموؤودة .
في كلّ منحىً ومتّجه كان يرهف حسّه ، ويصمد إلى خالق الوجود يناجيه : اللّهم لو أنّي أعلم أيّ وجهٍ أحبّ إليك لعبدتك به .
فإذا دخل الحرم انتحى بعيداً عن أرباب القوم ، وسجد على راحتيه ، مستقبلًا الكعبة وقال : لبّيك حقّاً ، تعبّداً وصدقاً « 1 » .
وقد التمس زيد هداه فيما أدرك من الحنيفية ، لكنّه ظلّ يرتاد مناهلها أينما كانت ، عسى أن يقع منها على نسيّ منسيّ فيزداد علماً ، ويصدر وهو ريّان .
ولم يكن يخفي هذا الذي أدركه عن قومه ، بل كان ينشره على رؤوس الأشهاد ، كان يزري عليهم أن يعبدوا ما لا يضرّ ولا ينفع ، ولا تقرّه العقول ، وكان يسوءهم في آلهتهم ، فيعيبها ويرميهم بالأفن « 2 » والسفاه ، وكثيراً ما باهاهم متحدّياً ، فقال : ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري .
فكأنّما كان يردّد حينذاك بلسان حاله ، وبمنطق الفطرة النقية ما أوحى به اللَّه من بعد ، في محكم التنزيل إلى الرسول :
« قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
« 3 »
.
وهل الحنيفية إلَّاالإسلام ؟
* * *
هامش
( 1 ) . راجع البداية والنهاية 2 : 221 .
( 2 ) . أَفِنَ وأُفِنَ : ضعف رأيه .
( 3 ) . الأنعام : 161 .