بابها رقد شيخ أبيض اللحية والرأس من الشيب ، فتناجيا مليّاً ، ثم فارقه أُمية راجعاً إلى رفاقه وهو كاسف البال « 1 » مهموم . . . وواصل وإيّاهم السير .
وكما فعل في ذهابه فعل في إيّابه ، ارتقى الربوة ثانيةً ، وتحدّث والديراني العجوز ، لكنّه عندما آبَ « 2 » كان أسوأ حالًا ، وعلى هيئةٍ من الوجوم والهموم لم يروه عليها من قبل ، كان باهت اللون ، كالح الأسارير « 3 » ، فمه المفغور « 4 » قد ماتت على شفتيه الكلمات ، نظراته الجوفاء تنبعث من فراغ لتتّجه إلى فراغ ، محيّاه كصفحة بيضاء لم يخطّ فيها يراع ، وكان جامد الحركة ، خطواته ثقيلة ، مشيته خرساء ، لكأنّه كان يسير في النوم ، كأنّه غرس قدميه في الرمال .
وعجب لأمره ، وأشفق عليه أبو سفيان ، فأحبّ أن يخفّف عنه ، أو يغريه ببثّه ما يعانيه ، همس له : قد شققت على نفسك وعلى رفقائك يا أُمية ، فما بالك ؟
وتلبّث به برهةً لا يسمع منه إلّالهثات ، ثم جاءه أخيراً ردّه ، وقد ثاب إلى نفسه بعض ثوب ، يجيبه في مرارة وضيق : خلّوني ، فإنّي أرتاد على نفسي لمعادي .
فلم يفهم صاحبه منه ، لكنّ أُمية ما لبث أن أسفر له عمّا في دخيلته ، كأنّ قد أُكره على الإسفار ، ينتزع من حلقه الكلام انتزاعاً ، فيفضي بما أهمّه بصوتٍ خافت الجرس ، مهتزّ النبرات : إنّ ها هنا راهباً عالماً أخبرني أن تكون بعد عيسى ستّ رجعات ، وقد مضت خمس وبقيت واحدة
ولقف نغبة « 5 » من أنفاسه ثم أضاف : وكنت أطمع في النبوة ، فلمّا رجعت أتيته قال :
قد كانت الرجعة ، وقد بُعث نبي من العرب ، فيئست من النبوة ، وأصابني ما رأيت .
هامش
( 1 ) . كاسف البال : سيّء الحال .
( 2 ) . آب : رجع .
( 3 ) . كالح الأسارير : عابس الوجه مكفهرّ .
( 4 ) . فَغَر فمه : فتحه .
( 5 ) . النَغْبة : الجرعة .