وإنّك لتسأل عن دينٍ ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم ، لكن . . . قد أظلّك زمان نبي ، يخرج من بلادك ، يُبعث بدين الحنيفية ، فالحق به .
فأسرع زيد يغادر أرض الغربة ، فلولا أن عاجله أجله على طريق العودة لالتحق بالرسول .
* * *
قُسّ بن ساعِدَة « 1 »
وها هو أيضاً : قُسّ بن ساعدة الإيادي ، الشاعر الذي علت به السنّ ، وزحفت به في المعمّرين إلى أقصى الأشواط .
الفتيان الأُولى عاصروا شباب محمد بمكة قد عاصروا هذا الكهل ، وربّما شهدوه ، والأُلى شارفت بهم فتوتهم مطلع النبوة لابدّ قد سمعوا عنه ، ومن وراء أولئك وهؤلاء حشود وحشود أحاطوا بسيرته ، ورووا من شعره ما ترامت به الأحاديث .
قيل : وفد الجارود بن عبداللَّه - وكان سيد قومه - على رسول اللَّه ، فسأله النبي الكريم إن كان معه من عبد القيس من يعرف قساً ، فأجاب : كلّنا نعرفه . . . وأنا كنت أقفو أثره .
واستعاد ذكرى حضرته ، ثم أضاف : كأنّي أنظر أُمية يقسم بالربّ الذي هو له ، ويخاطب الناس : ليبلغنّ الكتاب أجله ، وليوفينّ كلّ عامل عمله .
ثم أنشأ يقول :
هَاجَ للقلبِ من هَواه ادّكارُ * وليالٍ خَلا لهنّ نهارُ
هامش
( 1 ) . قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي ، من بني إياد ، أحد حكماء العرب ومن كبار خطبائهم في الجاهلية ، يعدّ من المعمّرين ، طالت حياته ، وأدركه النبي صلى الله عليه وآله قبل أن يُبعث ، ورآه في عكاظ . يقال : هو أول من خطب متوكئاً على سيفٍ أو عصى من العرب ، وأول من قال في كلامه « أمّا بعد » مات على نحو 23 قبل الهجرة . راجع البداية والنهاية 2 : 214 وما بعده ، الاعلام 5 : 196 .