وتقطّع قلبه حسرات ، وترنّح لسانه يقول : لا مال يفديني ، ولا عشيرة تنجيني .
ثم صحا مرّةً ثانيةً ، فإذا هو في اللهفة غريق ، وفي درك من يأسه بعيد سحيق ، وهل لمثله مفزع من غضب اللَّه إلّارضا اللَّه ؟
وأقرّ بوزره وإصره ، عسى أن ينفعه إلاقرار بالذنب والهوان : لا بريء فاعتذر ، ولا قويّ فانتصر .
ثم أفاق مرّةً ثالثةً وإنّ بصيصاً من الأمل في رحمة الرحمن الرحيم يغريه بالضراعة والابتهال ، فرفع بصره وكفّيه للسماء ضارعاً بالدعاء :
إنْ تَغفرِ اللّهم تَغفرْ جمّا * وأيّ عبدٍ لك لا ألمَّا « 1 »
ومضى إلى حيث لا يؤوب .
إن أمّا المغفرة فليست على اللَّه بكثير ، بل قد قيل : إنّ رسول اللَّه قال فيه : « كاد أُميّة ليسلم » « 2 » .
فلعلّها - وهي شهادة الشفيع - أن تهوّن هوانه ، أو تُثقل ميزانه يوم الدين .
زيد بن نُفَيل « 3 »
وها هو أيضاً زيد بن عمرا بن نفيل ، إنّه أحد النفر « الموحّدين » القلائل ، الذين تلاوموا - قبيل البعثة النبوية - في عبادة الأحجار والأوثان ، وأنكروا على قومهم ما
هامش
( 1 ) . راجع تاريح دمشق 9 : 280 ، 282 - 283 ، والبداية والنهاية 2 : 209 .
( 2 ) . أخرجه ابن ماجة 2 : 1236 ب 41 من أبواب الأدب ح 3757 و 3758 عن أبي هريرة .
( 3 ) . زيد بن عمرو بن نفيل بن عبدالعزّى القرشي العدوي ، ابن عم عمر بن الخطاب ، لم يدرك الاسلام ، وكان يكره عبادة الأوثان ، ولا يأكل ممّا ذبح عليها ، وعُرف عنه أنّه كان يرفض وأد البنات ، جاهر بعداء الأوثان بعدما استقرّ على دين إبراهيم وإسماعيل ، ولم تستمله اليهودية ولا النصرانية ، فتألّب عليه جمع من قريش فآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم ، وقد وكل به عمّه الخطاب شباباً سفهاءً من قريش يطردونه خارج مكة . قال الواقدي : حدثني علي بن عيسى عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال : سمعت زيد بن عمرو يقول : أنا انتظر نبياً من ولد إسماعيل ثم من بني عبد المطلب ، ولا أراني أدركه ، وأنا أؤمن به وأصدّقه ، مات سنة 17 قبل الهجرة . راجع البداية والنهاية 2 : 221 ، والاعلام 3 : 60 .