تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
وانتهت الرحلة ، وأغلق على أمل أُمية غلاف الكتاب « 1 » . * * * عاد العابد الثقفي ومن معه إلى مكة ، فإذا محمد قد بُعث ، وإذا قلّة معه وكثرة عليه ، وإذا الآراء في رسالته تتأرجح بقومه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، بين متابعته وبين منازعته ، إلّاذلك النفير القليل الذين اهتدوا وأسلموا وجوهم للَّه . عندئذٍ حدّث أبو سفيان صاحبه : هذا محمد قد بُعث ! قال أُمية : أما واللَّه إنّه لحقّ فاتّبعه . قال أبو سفيان : وأنت ، ما يمنعك أن تتّبعه ؟ فأخرج ما بقلبه ، وأجاب : الحياء من نساء ثقيف ، إنّي كنت أُخبرهنّ أنّي هو ، فكيف الآن أتّبع فتىً من بني عبد مناف « 2 » ؟ بل الحسد ما قد منعه وليس الحياء ، ولم يسلم ، لم ينفعه علمه . كان كمن نزل فيه قول اللَّه :
« وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ »
« 3 »
.
ورحل . . . انصرف عن متنزّل الرسالة السماوية ، بعيداً إلى اليمن في أقصى جنوب الجزيرة ، كأنّما فراراً بنفسه من الإيمان . لكن ندمه على هذا الذي فرط منه راح يطارده بقية العمر ، أينما ولّى ورحل ، أو حلّ ونزل ، مطاردة ظلٍّ لظليل ، لم يفارقه في يقظةٍ ولا منام . فلمّا أن حضرته الوفاة ، تحسّر وتلوّم ، كما لم يتحسّر قطّ وأسباب الحياة مبسوطة حواليه ، انتبه مرّةً وهو يعاني سكرات الموت ، من غشيةٍ أخذته ، فزجر نفسه - ولات حين زجر - أن استكبرت ، فإذا هو بغير زادٍ ولا حميلٍ على طريق هذا الرحيل .
هامش
( 1 ) . راجع تاريخ دمشق 9 : 256 وما بعده ، والبداية والنهاية 2 : 206 وما بعده . ( 2 ) . راجع تاريخ دمشق 9 : 259 . ( 3 ) . الأعراف : 175 .