والتكتّل التي تلفت إليها الأذهان ، ومن ثم عدمت عمومية الذيوع والانتشار ، وأصبحت على مرّ السنين نسياً منسياً ، أو هذياً ليس حقيقاً بالانتباه .
فإذا رؤي الأخذ بهذه التعلّات والأعذار ، فما القول إذاً في أحاديث نفر آخرين - ليسوا على شيء من الرهبنة والكهانة - قد تناقلتها الألسن ، وطارت بها الروايات ، وسجّلتها الأثبات ، وجرت في الناس مجرى الأمثال ؟
ما القول فيما ذكره عن الرسالة السماوية قبل تنزّلها فريق من أصحاب العلم والرأي ، بعضهم أظلّهم زمان النبي حتّى أوشكوا أن يشهدوه ، وبعضهم سبقوه بسنين وسنين ؟
الثابت الذي تؤكّده الأسناد : أنّ أولئك - على قلّة عددهم - كانوا في قومهم ذوي مكانة ومقام ، وكانوا يؤمنون بما يقولون ، ولا يتوانون عن المجاهرة بالرأي الذي يرون وإن هو أغضب السادة والقادة ، وخالف عقائد العامة والجمهور .
وأثر عنهم شعر نظموه ، يبسط نظرتهم ، ويظهر دعوتهم ، تناشده الناس ، وسارت به الركبان من مكانٍ لمكان حتّى لأوشك أن يغطّي وجه الجزيرة ، ولم يخف مبناه ولا معناه عن كثيرين ولا قليلين .
والعرب إذ ذلك أُمة ليست بقارئة ، لكنّها أُمة حافظة راوية ، وهي للشعر أحفظ ، وبه أحفل ، يتلقّاه الأبناء من الآباء بالرواية والتلقين ، فلا يزال يتنقّل في الأجيال ، جيلًا وراء جيل ، عبر السنين والقرون .
والشعر مرآة صدقٍ لعصره ، على صقالها ينعكس ما فيه ، بكلّ حقائق أحواله وألوان آماله ، ووقائع أخباره وخطرات أفكاره .
وما بقي إلى اليوم من شعر عصرٍ لم يبق قطّ مثله نثر ، فهو ميسّر للاستظهار ، وهو أحلى الكلام ، أقوى في النفس وقعاً وأثبت في الذهن موقعاً ، وأسلس عبارةً ، وأجمل صورةً ، وأعذب كلمةً ، وأندى نغمةً .
فلا عجب أن نراه يمثّل وسيلة الإعلام الأُولى التي لا تبزّها في الوسائل وسيلة ، تبثّ الآراء وتزجي الأخبار ، ولا أن نرى الشاعر ورواته ، وأنّهم لموجّهو هذه
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 164
مساهمون: شوقي محمد
ص١٦٤